مع بداية العام الدراسي أقول للجميع كل عام وأنتم بخير، وأسال الله أن تكون هذه السنة من التعليم أفضل مما سلف. ونحن نعيش حراكاً تربوياً كبيراً نحو التطوير يطرح سؤال نفسه: هل وصل التعليم لدينا إلى مرحلة جرد فيها لسبب من الأسباب من التربية؟ وهل أصبحت مخرجات التعليم لدينا لا تعرف هويتها الفعلية، وليس لها انتماء وولاء لمجتمع الإمارات؟ من يعتقد أن الإجابة على تلك الأسئلة بالإيجاب، فهو يؤمن بأن تعليمنا اليوم لا تربية فيه. فهناك فرق بين التعليم والتربية، كما أن هناك فرقاً بين حشو المعلومات والمعرفة. ولكن السؤال الأدق هنا لِمَ وصلنا إلى هذه الدرجة إنْ كانت الفرضية الأولى صحيحة؟ عندما نحلل كمتخصصين التربية إلى عناصرها الأساسية، فإننا نقسم التربية باختصار غير مخل إلى منهاج ومعلم، فالمنهاج هنا يحوي الأهداف التربوية والمعلومات المراد إيصالها للتلميذ وتقويم هذه المعلومات. أما المعلم، فهو من يحول ذلك المنهاج الجامد إلى كائن حي في عقول التلاميذ. بعد هذا التحليل المختصر لعناصر العملية التعليمية، دعونا نراجع ماذا جرى في السنوات الماضية وما يجري حاليا من تطوير؟ الأهداف التربوية اليوم اختصرت في تحقيق متطلبات سوق العمل ومؤسسات التعليم العالي، بلغة غير متخصصة أصبحت المدرسة المتميزة هي التي يتخرج التلميذ منها ناجحاً وفق متطلبات التعليم العالي وسوق العمل. ولو بحثت عملياً في مضامين هذا الشعار لاختصرته في اتقان اللغة الانجليزية. وهذا أمر حسن لأن الأسر في نهاية المطاف تود أن يتقن الأبناء لديهم اللغة الانجليزية، ولو كان ذلك على حساب اللغة العربية كما يؤمن البعض. هذا الأمر قادنا في بعض المدارس إلى أن تكون جل المناهج التعليمية مستوردة من دول أجنبية. وقد يقول البعض وما الخطأ في ذلك؟ الخطر ليس بالصورة التي نتخيلها، ولكن هذه المناهج أعدت لمجتمع غير مجتمعنا، وبالتالي نحن نبني جيلاً وفق فكر وأهداف غيرنا، ونريد منه في أن يكون منتمياً لمجتمعه وله ولاء لدولته. دعوني أسوق لكم بعض الأمثلة، عندما يدرس التلميذ وفق المناهج المستوردة دروساً حول الديمقراطية، وأن الشعب هو ملك السلطات الفعلية، وأن الحكومة إن لم تنجح في القيام بدورها فإن ممثلي الشعب "البرلمان" يسقط تلك الحكومة، ويأتي الناس بغيرها، يدرس التلميذ هذه الدروس وتتشربها نفسه، ويقوم بإسقاطها على واقعه، لكن ما هي النتيجة؟ مثلاً عندما يدرس التلاميذ تاريخ العالم وفق المنظور الغربي ليجد أن فلسطين المحتلة كانت أرضاً فارغة من الناس، فقرر اليهود العيش فيها، يتساءل هذا التلميذ عن جدوى الصراع العربي- الإسرائيلي. عندما يتعلم التلاميذ في حصص العلوم أن كل ما هو على الأرض هو من تفاعلات الطبيعة، ويقرأ كلمات مثل "أفضل ما تقدمه الطبيعة لك من فواكه". ويتعلم في درس التربية الإسلامية إن الله خالق كل شيء، يعيش هذا التلميذ صراعاً عقدياً مريراً بين مخرجات حصة العلوم والتربية الإسلامية. نعم بإمكان التربية أن تخرج لنا جيلًا ناجحاً وفق متطلبات سوق العمل، ولكن لا ينبغي علينا أن نستغرب إنْ كان ولاء هذا الجيل وانتماؤه عالمياً لا وطن له، فهل من الممكن تحقيق متطلبات التعليم العالي وسوق العمل دون الإخلال بالهوية الوطنية؟