سادت أوساط الإعلاميين السودانيين موجة من الغضب والاستنكار بعد أن تعددت وتنوعت وتوالت العقوبات التي تفرض على الصحف المحلية بصورة لم تعهد من قبل· ففى فترة لا تزيد على أسبوعين او نحو ذلك نفذت عقوبات ضد أربع صحف يومية تراوحت بين الأمر بالتعطيل إلى أجل غير محدد والتعطيل لثلاثة أيام متتالية، والصحف التي أوقعت بها هذه العقوبات هي:
1- الخرطوم مونيتر (يومية باللغة الانجليزية) التعطيل إلى أجل غير محدد·
2- ألوان (يومية عربية) التعطيل ليوم أو يومين ثم السماح بالصدور ثم التعطيل مرة أخرى أعقب ذلك التصريح بمواصلة الصدور· أي أنها عطلت لعدد من الأيام جملتها نحو أسبوع·
3- الصحافة (يومية عربية) التعطيل لثلاثة أيام من الأول إلى الثالث من اكتوبر الحالى·
4- الأزمنة (يومية عربية) التعطيل لنحو أسبوع كامل·
ولا يخفي الصحافيون السودانيون، مع استنكارهم، استغرابهم من ممارسة جهاز الدولة لهذا المستوى من قهر الرأي والحجر على الحريات الصحفية في مرحلة بالغة الأهمية في انتقال السودان من الحكم الاحادى الشمولي الى العهد الديمقراطي التعددي، بل إن مما يزيد في الدهشة والاستغراب أن هذه الممارسات تأتي بعد أن أعلن رئيس الجمهورية ونائبه الأول وغيرهما من القادة أن السياسة الجديدة للحكومة هي بسط الحريات وفي مقدمتها حرية الصحافة· هكذا كان رد فعل الخرطوم على الاتفاق الأخير الذي عقد بين النائب الأول لرئيس الجمهورية والعقيد قرنق قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان ·
إن الصحف الأربع المشار اليها ليست صحف معارضة فكلها صحف مستقلة لا ينتمى أي منها إلى حزب معين وعندما نأتي للأسباب التي يوردها المسؤولون في الحكومة عن دواعي هذه القرارات نرى الآتي :
أولاً، أن الخرطوم مونيتر متهمة بأنها تنشر ما يهدد أمن الدولة· وحقيقة الأمر أنها لا تخفي ميلها لانفصال الجنوب· ولما كانت هي الصحيفة الوحيدة المعبرة عن رأي قطاع واسع من الجنوبيين فان اغلاقها بهذه الصورة ستكون له انعكاساته السلبية على قضية الوحدة بين الشمال والجنوب عندما يحين موعد الاستفتاء حولها·
ثانياً، هناك اتهام غامض لـ ألوان وغير محدد بأنها تميل لحزب المؤتمر الشعبى الذي يقوده الدكتور الترابي ·
ثالثاً، عطلت الصحافة لأنها نشرت إعلانا للخطوط الجوية الاثيوبية يروج لزيارة فرنسا ويتحدث عن جودة الطعام الفرنسى، ثم يشير في كلمة واحدة إلى الخمر الفرنسى FRENCH WINE وكلمة WINE هذه لا يلحظها قارئ الإعلان إلا لو قصد أن يقرأ كل كلمة فيه·
رابعاً، عطلت الأزمنة لأنها نشرت تعليقا يقترح حل ما يسمى بالدفاع الشعبي على ضوء اتفاق نيفاشا الأخير - والدفاع الشعبي نوع من المليشيات كونها الحزب الحاكم وكانت عونا للجيش في حرب الجنوب ·
إن هذا الهجوم غير المبرر ضد قطاع كبير من الصحف السودانية أثار موجة من النقد ضد سياسات الحكومة في هذه المرحلة وبعث الشكوك مرة أخرى في أن (نظام الانقاذ) يمكن أن يطلق اقوالاً وتصريحات وردية تبشر بتحول الوضع إلى الأفضل، ولكنه أي نظام الحكم يعجز تماما في مرحلة تطبيق تلك التصريحات على أرض الواقع كما حدث بالنسبة لقطاع الصحف· ويخشى المراقبون استناداً على هذه الحقائق أن حتى تصريحات قادة النظام التي تتحدث عن توجه الحكم للتشاور مع أحزاب المعارضة في المرحلة الباقية من محادثات السلام وهي النهائية، لن تكون غير ضجيج بغير طحن أو كلام للاستهلاك فقط لا غير·