تكفي نظرة واحدة على الأحداث في اليوم الأخير من شهر يوليو المنصرم كي نعرف في أي عالم نعيش. في ذلك اليوم أصدر مجلس الأمن بغالبية 13 من أعضائه قراراً توعد فيه حكومة السودان ضمناً بالنظر في تدابير تتضمن إجراءات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية ضدها ما لم تفِ بتعهداتها الخاصة بنزع أسلحة الميليشيات في إقليم دارفور الغربي في غضون 30 يوماً. لم تستخدم مفردات القرار لفظ "عقوبات" في محاولة لإرضاء بعض الدول كي توافق على القرار، لكن المعنى يبقى واضحاً، فلن تكون الإجراءات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية المضادة سوى عقوبات، خصوصاً أن القرار قد اعتبر أن الوضع في السودان "يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين"، وقرر "التصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق. سوف نفترض، تسهيلاً للنقاش، أن كل ما تتهم به حكومة السودان صحيح، وهو يتمثل طبقاً للقرار في أمرين بالغي الخطورة من المنظور الإنساني: انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، وتعويق وصول الإغاثة لمستحقيها، وذلك على الرغم من أن هناك وجهات نظر أخرى في الموضوع. لكننا لا نستطيع في الوقت نفسه أن نعزل دارفور عما يجري حولها في العالم، بل على مقربة منها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. حيث ترتكب بشكل يومي جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان وهتك بنيوي للاقتصاد الفلسطيني تحت سمع وبصر العالم كله، وليس خلق ستار من الغموض -ولو النسبي- كما هو الحال في دارفور. ولكي لا نجادل في هذا الصدد طويلاً، أو نتهم بدورنا بغياب الدقة والصدق فيما نقول، وحتى لا نظلم الأمم المتحدة على نحو مطلق في تعاملها مع القضية الفلسطينية، يكفي أن نشير إلى التقرير الذي قدمته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" للمجلس الاقتصادي الاجتماعي في دورته 59 التي عقدت في مدينة نيويورك في المدة من 28 يونيو إلى 23 يوليو الماضيين.
يمثل التقرير وثيقة دامغة للسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فهو يشير إلى سياسة الاحتلال الرامية إلى إفراغ الأرض المحتلة من سكانها. يتحدث تفصيلاً عن عمليات القتل الإسرائيلية لأبناء الشعب الفلسطيني التي راح ضحيتها في عام واحد من ديسمبر 2002 إلى ديسمبر 2003 ما يقرب من 800 شخص فضلاً عن إصابة ما يزيد على خمسة آلاف أكثرهم من الأطفال، وهذا كله دون حساب ضحايا عمليات القتل خارج نطاق القانون الذين بلغ عددهم حوالي 350 فلسطينياً، وإن كان المرء يحار في التفرقة بين أنواع القتل في ظل الاحتلال وكيف يكون مرة قانونياً وأخرى خارج نطاق القانون. وأشار التقرير كذلك إلى تدمير ما يزيد على خمسمائة منزل في المدة نفسها في الضفة، وما يزيد على ثمانمائة وخمسين منزلاً في قطاع غزة بصفة عامة، وما يقرب من ألف منزل في رفح وغزة الشمالية، مما ترك حوالي عشرة آلاف شخص دون مأوى، واستشهد التقرير بالبنك الدولي الذي قدر قيمة الأضرار التي لحقت بالزراعة الفلسطينية بـ217 مليون دولار في عام 2003، بينما بلغت قيمة الأضرار المادية في المدة من سبتمبر 2002 إلى أبريل 2003 ثلاثمائة وسبعين مليون دولار، وذكر أن ما يقارب نصف مساحة قطاع غزة قد تم الاستيلاء عليه لأغراض الاستيطان أو كمناطق عسكرية، وبينما يستفيد سبعة آلاف مغتصب يهودي من هذه المساحة فإن مليون فلسطيني من أصحاب الأرض يعيشون على النصف المتبقي. ورأى التقرير أن إسرائيل حين تنتهي من تشييد الجدار الفاصل تكون قد ضمت فعلاً معظم طبقة المياه الجوفية الغربية التي ينبع منها 51% من الموارد المائية في الضفة الغربية، وتوقع أن يتسبب الجدار الفاصل في منع حوالي ثلاثة أرباع السكان في الجهة الغربية منه من الوصول إلى مرفق صحي.
قلبي وعقلي مع كل إنسان انتهكت حقوقه في دارفور، غير أن ما جرى ويجري هناك لا يمكن مقارنته بعمليات التدمير المنهجي للأرض والإنسان كما يشير هذا التقرير الصادر عن الأمم المتحدة، في الوقت نفسه الذي تجري فيها أحداث دارفور. لكن تقارير دارفور تجد طريقها بسهولة إلى مجلس الأمن، وتحفز الغالبية العظمى من أعضائه بمن فيهم العضو العربي الوحيد على التلويح باللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق، وتعطي إنذارات موقوتة بزمن محدد. أما التقارير الخاصة بشعب فلسطين بأكمله فلاتبارح موقعها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي حيث لا تتجاوز ردود الأفعال مشاعر اللوعة والشفقة لمن كانت لديهم بقية من ضمير. في دارفور يتحدثون عن تدخل عسكري محتمل يعيد الأمور إلى نصابها وإن ضد إرادة الحكومة الشرعية الموجودة في السودان، أما في فلسطين فإن المطالبة بإرسال قوات لحمايةالشعب الفلسطيني، أو حتى مراقبين لانتهاكات حقوق الإنسان ناهيك عن تقصي الحقائق عن مذابح جرت على أرضه يتم وأدها بمنتهى السهولة والبساطة في كل مرة تطرح فيها.
نلفت النظر بكل موضوعية وأدب وأياً كان خلافنا مع سياسات بعض الحكومات العربية أن تفكيك الدول العربية -وليس النظام العربي فحسب- أصبح مسلسلاً تتوالى حلقاته في انتظام. بدأ بالحلقات الأضعف ولكن الأمر المؤكد أنه سيصل تباعاً إلى غيره