تبعد مدينة النجف عن الكوفة عشرة كيلومترات وعن بغداد 160 كلم، وقد اشتهرت منذ قرون بالدراسات الشيعية، وبأنها مقر كبار فقهاء ومجتهدي هذا المذهب من عرب وإيرانيين وأفغان وغيرهم. وتقع إلى الجنوب منها مدينة "الحيرة" عاصمة المناذرة، التي ملأ ذكرها كتب التاريخ والأدب. وتقول "موسوعة النجف"، إن الأديرة المسيحية كذلك انتشرت في منطقة النجف في بعض مراحل التاريخ، ومن أشهرها "دير فاثيون" و"دير ابن مزعوق". ومن الأديرة المشرفة عل النجف الأشرف "دير مارث مريم"، وهو دير قديم من بناء آل المنذر بنواحي الحيرة وقد نزل بالنجف القائد الإسلامي خالد بن الوليد، وبالقرب منها دارت معركة القادسية. وقد أعلن مسؤول في دائرة آثار محافظة النجف مؤخراً العثور علي قطع أثرية في موقع لدير مسيحي كان قد جرى اكتشافه قبل عامين. مناخ النجف قاس، فهواء صيفها حار جاف، والشتاء بارد قارس، وبيئتها صحراوية قاحلة يحتمي الناس من حرارتها وجفافها بالسراديب. وتعني كلمة "النجف" في اللغة العربية المكان المستطيل الذي لا يعلوه الماء ويكون في بطن الوادي، وكذلك النجف بمعنى التل. سكنت قبيلة "تغلب" النجف، حيث هاجرت إليها بعد حرب البسوس وكذلك قبيلة "بكر"، وقد بُنيت الكوفة بعد دخول المسلمين إلى العراق، وفي عام 36هـ قدم إليها الإمام علي بن أبي طالب بعد فراغه من معركة الجمل. وأقام فيها حيث أضحت الكوفة عاصمة للخلافة الإسلامية مدة أربع سنوات قبل انتقال مركز الحكم إلى دمشق، بعد وفاة الإمام علي سنة 40هـ. اشتهرت النجف بضريح ومشهد الإمام علي، رغم ما قيل عن أن الدفن تم في مكان آخر. وبخاصة بعد عام 170هـ، حين بدأ هارون الرشيد بتشييد أول بناء على القبر. ولعل أجمل العمارات وأدومها تلك التي قام بها الملك البويهي "عضد الدولة"، والتي ظلت قائمة حتى سنة 735هـ - 1352ميلادية. وكانت العمارة والسكنى قد بدأت في النجف تدريجياً خلال القرن الثاني للهجرة. وكانت النجف قد نالت إعجاب الرحالة "ابن بطوطة"، عندما زارها عام 727هـ، فقال عنها: "إنها مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة، من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناء، ولها أسواق حسنة نظيفة". اشتهرت مدينة النجف بأنديتها الأدبية التي عُرفات باسم "المجالس النجفية"، والتي "أسهمت في حفظ اللغة العربية في حقبة السيطرة العثمانية التي عرفت محاولات تتريك العرب، كما يقول المؤرخ محمد عزة دروزة. إذ لم تكن النخبة النجفية تجتمع في مجلس، إلا وتخلق فيه جواً أدبياً زاخراً في نظم القصائد والطِّراح النوادر. وعُرفت النجف بالكتب والمكتبات العامة والخاصة وإقبال الناس عليها. وكان تأخر ظهور الطباعة في البلاد العربية بصورة عامة والعراق بصورة خاصة نتيجة العزلة التي فرضتها الدولة العثمانية على البلاد العربية، حيث دخلت أول مطبعة كربلاء عام 1856م. تأثر النجفيون بدعوة جمال الدين الأفغاني والحركة الإصلاحية ومجلة العروة الوثقى. وتأثروا كذلك بالحركة الدستورية والثورة البرلمانية في إيران 1905 - 1911، وكذلك ثورة الاتحاديين في الدولة العثمانية عام 1908. وقد لعبت الصحافة العربية والمحلية دوراً مهماً في هذا المجال. وكانت صحف عربية كثيرة، فضلاً عن العراقية، تصل سراً إلى النجف. وكان قراء هذه الصحف يختفون عن الأنظار، حتى عن بعض إخوانهم وآبائهم. و"كان أول من جابه الجمهور النجفي بقراءة الصحف علناً في مرقد الإمام علي "السيد سعيد كمال الدين"، وتجمع الشباب المثقف حوله لحمايته إذ حاول البعض الاعتداء عليه". وكان بعض رجال الدين الشيعة مثل "محمد كاظم الآخوند" يدعو إلى محاربة الاستبداد والبرلمان ويؤيد قراءة وانتشار الصحف، بينما دعا آخرون إلى تحريم قراءة الصحف لا سيما بعد منع الولاة العثمانيين دخول الصحف من الخارج سواء كانت معارضة أم مؤيدة! صدرت مع مرور الوقت، مجموعة من الصحف النجفية، وكانت الأولى "صحيفة نجف" عام 1910 التي صدرت أسبوعية باللغة الفارسية تحت إشراف الشيخين عبدالحسين الرشتي وعبدالكريم الشيرازي ولم تدم طويلاً. وفي سنة 1920 أصدر محمد باقر الشبيبي صحيفة "الفرات" التي كانت لسان حال ثورة العشرين. وقد صدر منها خمسة أعداد ثم توقفت. وأصدر المحامي محمد عبدالحسين الكاظمي صحيفة "الاستقلال"، في العام نفسه وصدر منها ثمانية أعداد، واحتجبت صحيفة "النجف" التي أصدرها يوسف رجيب عام 1925، بسبب جرأة مقالاتها وانتقاداتها، كما كان الاحتجاب من نصيب صحيفة "الفجر الصادق" بعد عام من بداية صدورها في 1930. أما صحيفة "الراعي" فقد أغلقت بعد أن أصدرها الأديب جعفر الخليلي عام 1934. وتقطعت صحيفة "الحضارة" في صدورها منذ أن العدد الأول عام 1937، أما صحيفة "الهاتف" التي أصدرها كذلك جعفر الخليلي عام 1935، فقد استمرت بالصدور عشرين عاماً، وانتقلت إلى بغداد قبل أن تغلق عام 1954. ويقال إنها "تُعد تاريخياً ذات شأن في دراسة الأدب والحياة الاجتماعية والسياسية للعراق فضلاً عن النجف الأشرف". ومن مجلات النجف الأولى "الغري" التي صدرت كذلك بالفارسية عام 1909 وكان صاحبها الشيخ حسين الأصفهاني، ولم يخرج منها غير عددين. ومن المجلات "درة النجف" التي بدأ صدورها عام 1911 في 64 صفحة، وتضمنت أبحاثاً قيمة في الدين والتمدن. ومن المجلات "العِلْم"، التي أصدرها أحد رجال الإصلاح الديني البارزين، السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني عام 1910، وظهر منها 21 عدداً. ولم يصدر من مجلة "الحيرة" سوى ثلاثة أعداد، في حين استمر صدور مجلة "الاعتدال"، لصاحبها الأديب محمد علي البلاغي 1933 ست سنوات. واستمرت مجلة "المصباح" التاريخية الأدبية نحو عامين بعد صدورها عام 1935. وعاشت مجلة "القادسية" منذ صدورها عام 1938 حياة حافلة على امتداد أربع سنوات. وكان صاحبها محمد رضا الحساني كاتباً كثير التأليف والنشر. وكان له نشاط سياسي وحكم عليه بالإعدام وخفف حكمه إلى المؤبد، وتمت مصادرة المجلة والمطبعة. كانت الصحافة النجفية جزءاً من الصحافة العراقية التي بدأت في بغداد عام 1869 عندما صدرت جريدة "الزوراء" فيها بعد تعيين المصلح العثماني المعروف والي بغداد "مدحت باشا"، الذي قام بإصلاحات مهمة بغية القضاء على أسباب الشكوى والاستياء العام، فقام بإصدار هذه الجريدة الحاوية لأنواع من الأخبار والحوادث، كما تم إصدار جريدة "الموصل" الجريدة الرسمية الثانية للحكومة العثمانية في العراق عام 1885، وجريدة "البصرة" عام 1889 في المدينتين. وكانت هذه الصحف، "تعبر عن لسان حال السلطات العثمانية، ولم يتمثل فيها الحسُّ الوطني، لانعدام حرية التعبير في الصحافة". وبعد انبثاق الدستور العثماني عام 1908، نشطت الحياة الفكرية والصحافية، وظهرت عشرات الجرائد والمجلات من كل لون، ويشير عبدالرزاق الحسيني في كتاب تاريخ الصحافة العراقية، إلى أن هذه الحقبة شهدت ميلاد 69 صحيفة و20 مجلة. وشهد عهد الاحتلال البريطاني عدداً محدوداً من الصحف والمجلات، واستخدمت كل المطابع لإطلاع الناس على سير المعارك والتطورات الجارية. وشهد العراق في الحقبة 1921 - 1958 صدور صحف ومجلات سياسية ومتخصصة وصل عددها عام 1954 إلى 131 صحفية و62 مجلة، يورد الباحث "رفائيل بطي" أسماءها في كتاب "الصحافة في العراق" 1955، كما يقوم قيس الياسري في "الصحافة العراقية والحركة الوطنية"، بدراسة مواقفها حتى ثورة 1958. وقد تعرضت الصحف خلال هذه الحقبة لعدم الاستقرار، وقصر عمر العديد من الصحف لأسباب سياسية ومادية، كما شهدت ظهور صحف حزبية.