قبل عشرين سنة، في أغسطس 1991، تغيّر وجه العالم. فقد حدث الانقلاب الذي شكّلت هزيمته ذريعة ومناسبة لنقل الاتّحاد السوفييتيّ من حال إلى حال، ومن ثمّ لكسر هذا الاتّحاد نفسه. لكنْ لابدّ من العودة سنوات قليلة إلى الوراء. ففي 1985 تولّى الأمانة العامّة للحزب الشيوعيّ السوفييتيّ ميخائيل غورباتشوف بعد أمينين عامّين كهلين لم يُقيّض لأيّ منهما أن يتمتّع طويلاً بالسلطة، قسطنطين تشرننكو ويوري أندروبوف. وهذان كانا امتداداً للحقبة البريجنيفيّة المديدة التي ابتدأت أواسط الستينيات وتميّزت بالتراجع عن الانفتاح الجزئيّ الذي أحدثه نيكيتا خروتشيف وبتجفيف الاقتصاد وتخشيب الاجتماع السوفييتيّين. غورباتشوف، الشابّ بحسب المعايير السوفييتيّة، كان أوّل أمين عامّ للحزب يولد بعد ثورة 1917. ومع أنّ صعوده الحزبيّ أحيط برعاية أندروبوف، فإنّه سريعاً ما كشف عن رغبات وتوجّهات إصلاحيّة: فقد قدّم بعض التنازلات للاقتصاد الفلاّحيّ وأعاد الاعتبار لبوخارين، أحد قادة الثورة البلشفيّة الذي أعدمه ستالين بسبب "انحرافه الفلاحي الرأسماليّ"، ثمّ خفّف قبضة المركز في موسكو على الجمهوريّات والمناطق الأخرى. وكانت ضربة غورباتشوف الكبرى في 1988 حين أعلن عن نهج "غلاسنوست" (الانفتاح) ثم أتبعه بنهج "البيريسترويكا" (شفافيّة)، ما تأدّى عنه توسيع ملحوظ للحريات على اختلافها. ولم يتردد الأمين العام الجديد، بصراحة غير معهودة في النظام الشيوعي، في أن ينسب هاتين السياستين إلى تأثره بألكسندر دوبتشيك الذي دعا إلى "اشتراكية ذات وجه إنساني" وأطلق "ربيع براغ" في 1968 ليُرسَم، في أدبيات الشيوعية السوفييتية، مرتداً ومهرطقاً خطيراً. لكن غورباتشوف لم يكن، في سياسته الخارجية، أقل شجاعة ومبادرة مما في توجهاته الداخلية. فقد توصل مع الولايات المتحدة، في ظل رونالد ريغان، إلى عدد من الاتفاقات الاستراتيجية الكبرى التي تفضي إلى خفض الالتزامات العسكرية والحد من الإنفاق على التسلح. وفي 1988 أعلن عن نيّته سحب القوات السوفييتية من أفغانستان، ثم تخلّى عن "مبدأ بريجنيف" في ما خصّ أوروبا الوسطى والشرقية، مُقرّاً بحقوق تلك الأمم في أن تختار الأنظمة التي ترغب فيها. هكذا، وانطلاقاً من 1989، بدأت الانتفاضات تتوالى في بلدان "الكتلة الشرقية" وتصدِّعها. كانت تلك ثورة ضخمة وغير متوقعة أملتها رغبة غورباتشوف ومن يمثلهم في إنهاء التداعي الاقتصادي والأخلاقي الذي يضرب الاتحاد السوفييتي ويلحق به الشلل على الأصعدة جميعاً. ومع هذا اتسمت ثورته بنقطتي ضعف على الأقل: الأولى، أنّ الكسر التدريجي الذي أصاب نظام توزيع السلع والخدمات، بنتيجة انكسار قبضة الحزب على الحياة العامة، جعل الوضع الاقتصادي (الذي يفتقر إلى بدائل فورية) كارثياً. والثانية، أنّ انعدام التقليد السياسي والدستوري في بلد يحكمه الحزب الواحد منذ 1917، منح للديماغوجيّة والشعبوية مساحة تقريرية واسعة، وهو ما سنراه لاحقاً في صعود بوريس يلتسين. وفي هذا المناخ حدث الانقلاب الذي قادته "عصابة الثمانية"، وهم شيوعيّون لم يحتملوا التغيرات الهائلة التي أقدم عليها غورباتشوف. وكان على رأس الثمانية هؤلاء غينادي ياناييف، الشيوعيّ الذي تولّى قيادة النقابات ليصعد منها إلى سكرتايرية اللجنة المركزية ومنها إلى نيابة رئاسة الاتحاد السوفييتي. وقد بدا في اليوم الأول للانقلاب أنّ الثورة الغورباتشوفية قد صُفّيت تماماً: فهي باشرت إطاحة العهد القديم وتفكيك القبضة الشيوعية من دون أن تملك قاعدتها الشعبية العريضة، كما جاءت نتائجها الاقتصادية البائسة لتقنع بعض القطاعات، لاسيما الأكبر سناً، بأنّ الإبقاء على النظام الشيوعي "الذي نعرف" خير من الدخول في مغامرة غير مضمونة العواقب، فضلاً عن أنّ ما هو بادٍ منها غير مشجع. لكنْ في اليوم الثالث للانقلاب سقط الإنقلابيّون وسيقوا إلى السجن، باستثناء واحد هو ألكسندر تيزياكوف الذي انتحر بعدما سمّي رئيس رابطة مشاريع الدولة في العهد الشيوعيّ المستعاد. أمّا ياناييف فبقي في السجن حتّى 1994 ليخرج منه موظفاً عادياً في مكتب السياحة الوطني! وما أنهى الانقلاب كان تطلب الحرية والرغبة، على رغم الإخفاقات الاقتصادية لغورباتشوف، في عدم الرجوع إلى الماضي. إلا أنّ هذا التطلب لم يعثر على تعبيراته السياسية إلاّ في بوريس يلتسين الذي كان قد انتُخب، قبل شهرين على الانقلاب، رئيساً لروسيا، وهو منصب استُحدث في العهد الغورباتشوفي. وقد جمع يلتسين بين صفات تبدو للبعض متناقضة: فهو شجاع وتافه في وقت واحد، كما أنّه سكّير وطموح، انتمى إلى الحزب الشيوعي وصعد إلى أعلى مواقعه التنظيمية في العاصمة موسكو من دون أن يكون مؤمناً بحرف واحد من أبجدية الشيوعيين النظرية. يلتسين هذا، وعلى رأس حركة جماهيرية مندفعة، تصدى للانقلابيين وهزم انقلابهم. غير أنّه أيضاً جعل من غورباتشوف، الذي حرّره من الأسر، أسيراً لديه. فمشروع التغير التدريجي الذي رعاه الأمين العام مني بهزيمة لا قيامة له بعدها. وهكذا، بدل دمقرطة الاتحاد السوفييتي وتوسيع هوامش الحكم الذاتي داخله، حُلّ الاتحاد بالكامل في ديسمبر 1991، وبدل "الاشتراكية ذات الوجه الإنساني"، حلّت "رأسمالية الشنطة" الجلفة والعديمة القلب، وبدل نزع التوتر العالمي والوصول إلى علاقات دولية أرقى وأكثر تكاملاً، حلّت سياسة استسلام استباقي وذليل أمام الولايات المتحدة والبلدان الغربية. لقد وفرت هزيمة الانقلاب فرصة كبرى ليلتسين، لكنْ بدا أيضاً أنّ مخلفات الاتحاد السوفييتي ونظامه الشيوعي لا تحتمل المشروع الغورباتشوفيّ ولا تترك له المساحة العقلانية المطلوبة. فأمر اليوم كان: إمّا أو... وهذا التطرّف الذي كلّف غالياً، مع يلتسين، إنّما كان نتاج تباطؤ التاريخ الروسيّ واحتقانه. فبعد الحرب العالمية الأولى وُضع على جدول التاريخ العالمي كسر التراكيب الإمبراطوريّة. وهكذا انهارت إمبراطورية الهابسبورغيين المجريّة- النمساوية كما انهارت الإمبراطورية العثمانية في الشرق. أمّا الإمبراطورية القيصرية الروسية فبدل أن تنهار، عثرت في البلاشفة الروس على مجدديها ومعيدي إنتاجها. وربّا أُسست، في تلك اللحظة، اللعنة الروسية الكبرى التي لا زالت تحور وتدور وتعجز عن إتمام المصالحة مع الحداثة الديمقراطية.