يوم 25 سبتمبر 2003 اطلعت على خبر نشرته إحدى صحفنا المحلية في دولة الإمارات حول محاضرة ألقاها عبدالهادي المجالي رئيس البرلمان الأردني السابق،دعا فيها إلى قيام وحدة في كل من بلاد الشام والهلال الخصيب· وذكرت الصحيفة أن صاحب المحاضرة وصف الدولة المقترحة بأنها العلاج السياسي الاستراتيجي لسائر مشكلات المنطقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وسبيل سيؤدي في نهاية المطاف إلى بناء منظومة راسخة من العلاقات مع سائر دول العالم الأخرى·
إن الأحاديث عن الوحدة في العالم العربي بشكل عام ليست جديدة، والحديث عن وحدة الهلال الخصيب خاصة العراق و الأردن ليست جديدة أيضاً، ولكن الملاحظ هو أن جميع تلك الأحاديث كانت تصدر عن أعضاء النخبة السياسية وهم يجلسون في قمة الهرم السياسي والاجتماعي، ويبقى كل ما يسوقونه من مقترحات ومشروعات حول القومية والوحدة العربية أحاديث غير مفهومة لدى العامة العربية التي يشغلها أكثر ما يشغلها الكدح اليومي وراء كسرة الخبز وحاجات اليوم ذات الضرورة القصوى للبقاء على قيد الحياة والاستمرار فيها·
وعلى رغم عدم استماعي لما طرح في المحاضرة المذكورة مباشرة بحيث أتمكن من فهم الجو العام الذي طرحت فيه،والسياق العام والخاص الذي تواترت فيه الأفكار وتبودلت بين المحاضر والجمهور، إلا أن ما استشفيته من عرض الصحيفة هو أن المحاضر يدعو إلى قيام الوحدة التي يبشر بها على يد شعوب المنطقة التي حددها مجالاً لتلك الوحدة· إن المحاضر يقول إنه تتواجد حالة من الرفض الوجداني الشعبي للتشرذم العربي، وهذا القول يحمل في مضمونه أن الشعوب العربية تعي تماماً واقعها وتريد تغييره، وهذا التغيير لن يأتي سوى من خلال الوحدة العربية· وإلى هنا فإن الطرح جميل، ولكنني أنا شخصياً بعد كل ما مرّ بالبلاد العربية من نكبات وويلات وانتكاسات أشك في أن يكون الشارع العربي لا يزال متقبلاً بصدر رحب لأفكار من هذا القبيل، وخاصة بعد الأثمان الفادحة التي دفعت من دم الإنسان العربي وكرامته والتي تشيب من هولها الجبال·
لا شك أن الإنسان العربي في العديد من البلاد العربية التي قطع فيها التعليم شوطاً طويلاً ووصل إلى قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع بات يعي واقعه بحلوه ومره، ولكنه أصبح يعي أيضاً ما تفعله الأمم والشعوب الأخرى عندما تريد أن تتحد· لقد أصبح مفهوماً أن أي شكل من أشكال الوحدة في العالم المعاصر لا يقوم على نداءات نخبوية تتخذ على أساسها قرارات سياسية تنفذ على الفور وتقوم الوحدة·
لقد مرت على الإنسان العربي تجارب عدة من هذا النوع لم تستمر حتى أقواها، التي قامت بين عامي 1958 و1961 سوى أقل من ثلاث سنوات ثم انهارت، وأخريات لم تكن لها صلة بأنواع الوحدة المتواجدة في علم السياسة سوى اسم كتب على ورق· لذلك فإن موقف الإنسان العربي من نداءات الوحدة بات موقف الشكاك المتردد الذي قد يتقدم خطوة إلى الأمام، لكنه بعد هنيهة يتراجع عشر خطوات إلى الخلف· ثم مرت عليه أيضاً الوحدة البسماركية التي حاول النظام العراقي إقامتها مع الكويت بحد السيف، فكان أن تشرذم العرب المعاصرون تشرذماً لم يشهده أسلافهم منذ مقتل ناقة البسوس·
ما أريد قوله بالتحديد هو أن الإنسان العربي يشعر كثيراً بأنه وطني أكثر من شعوره بأنه قومي ووحدوي نتيجة لما أصابه به من كآبة مجمل الإحباطات التي مرت عليه وأصابت أوطانه ووجدانه بالعطب، وأنه أصبح مدركاً وواعياً تماماً بأن الوحدة الحقيقية تبدأ من وحدة المصالح الاقتصادية وليس الوحدة السياسية· والمصالح الاقتصادية تقوي وتعزز وتصقل بناء الأوطان وتنميتها أولاً بأول بحيث ينمى الإنسان كمحور لكل منشط اقتصادي وسياسي ثم بعد ذلك تدشن التنمية الشاملة بيد ذلك الإنسان ذاته بعد أن يمنح حريته وكرامته وتوضع فيه الثقة وتزرع فيه فكرة أنه هو أثمن ما في هذا الوجود·
إن ذلك كله لم يحدث حتى الآن سوى في بؤر متفرقة من العالم العربي، وتبرز أكثر ما تبرز في دول الخليج العربي الصغيرة، والإنسان العربي يدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك، ونتيجة لذلك فإنه يدرك أيضاً بأن الوقت لم يحن بعد في البلاد العربية لكي تخوض تجارب وحدة حقيقية· وكما ذكرت فإن الإنسان العربي منذ 1967 ارتد إلى الداخل لكي يصبح وطنياً أكثر من كونه قومياً وحدوياً، وسيبقى كذلك إلى أن تتطور البلاد العربية كلا على حدة بعد أن تبني اقتصادها وتطور مؤسساتها الأخرى·