المنطلق الأساسي للمبادرة المصرية بشأن غزة هو مساعدة الجانب الفلسطيني على تنفيذ التزاماته في خريطة الطريق من خلال إصلاح الهياكل الفلسطينية تمهيداً لإنشاء حكومة قادرة على قيادة الدولة الجديدة وإحكام سيطرتها على الأراضي الفلسطينية. غير أن مصر فوجئت بزيادة الهجمات الإسرائيلية واغتيال وقتل الناشطين الفلسطينيين ما أدّى إلى تولد انطباع بأن هناك اتفاقاً على التخلص من الانتفاضة. ومصر لن ترسل مدربين أمنيين إلى غزة إذا ما استمرت إسرائيل في اتباع سياسة الهجمات الجوية، ولابد من ضمانات.
وإذا كانت مصر تسعى إلى تحقيق نظريتها في الأمن القومي المصري- وهذا حقها- فإن مصر كانت دائمة الوجود في القضية الفلسطينية وتفرعاتها. فقد تحملت كثيراً من السلوك الإسرائيلي والعنت الأميركي والأوروبي واشتركت في خمس حروب ضحت فيها بعشرات الألوف من الشهداء من أبنائها ونالها تدمير كثير.
كان قطاع غزة هو المدخل الطبيعي لكل مبادرة مصرية فقد وضعت مصر القطاع تحت الإدارة المصرية منذ انتهاء الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى حتى العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967، حيث لم تتمكن في حرب 1973 التحريرية من أن تحرر قطاع غزة من الاحتلال الإسرائيلي، وانتظرت حتى أقرّ مجلس الوزراء الإسرائيلي مشروع أرييل شارون بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة. فقد قدم شارون خطة الانسحاب بعد تعديلها غير مرة على ضوء التجاذبات والصراعات داخل حزب الليكود والحكومة الإسرائيلية التي أقال فيها شارون بعض أعضائها الوزراء، وكان من الأسباب الرئيسية للتعديل أن الذبح العسكري- كما كان شارون يفعل- لم يعد - في نظره- كافياً وحده للقضاء على الانتفاضة، وإنما لابد من إرفاقه بذبح سياسي يلتف حول كفاح الشعب الفلسطيني ويخدع الرأي العام العالمي، وقد ساعده الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حينما أعطاه كتاب الضمانات الأميركية.
إن كتاب الضمانات هذا يعني عملياً أن تصفي الإدارة الأميركية الحالية القضية الفلسطينية على غير ما حددته مبادرة قمة بيروت في 28/3/2002 وتفرض حلاً إسرائيلياً بعيداً عن قرارات الأمم المتحدة أي قرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي. وضمن هذا الإطار يأتي مشروع شارون الأحادي الجانب مستهدفاً بعض الأغراض مثل: أولا: التغطية على الجرائم الصهيونية التي ترتكبها قوات الاحتلال في الضفة والقطاع ومنها جريمة الجدار العنصري. وتخفي خطة شارون مشروعاً استيطانياً في الضفة. ذلك أن القطاع لا يشكل المكان المناسب للتوسيع واحتلال الأراضي، حيث يوجد في القطاع حوالي 7500 مستوطن صهيوني تستوجب حمايتهم نحو فرقة صهيونية، وهو ما لا قدرة للجيش الإسرائيلي عليه. ثانياً: تصدير الأزمة الداخلية الإسرائيلية إلى الساحة الفلسطينية، وقد نجح شارون في تعميق التناقضات بين السلطة وفصائل المقاومة حتى خشي من أن يؤدي الأمر إلى حرب أهلية. ثالثا: جعل مشروع خريطة الطريق غير قابل للتطبيق ونسف إمكان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
قسم المشروع الشاروني إلى 4 مراحل، يتطلب تنفيذ كل مرحلة إلى تصويت مستقل من الحكومة الإسرائيلية بعد أن ألغي من المشروع النص على نقل المستعمرات من القطاع إلى الضفة، إلى جانب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة الملاصقة للحدود بين مصر والقطاع، وفي البحر والجو مع خندق مائي طوله 4 كلم وبعمق يراوح بين 15 و25 متراً مع استخدام القوة في مجابهة أي تهديد. وهكذا أصبح مشروع شارون تكتيكياً خالياً من أية رؤية استراتيجية.
ليس هناك من ينكر أن عملية السلام في الشرق الأوسط وبخاصة بين الفلسطينيين والإسرائيليين (في الضفة 2.237 مليون فلسطيني إضافة إلى 187 ألف إسرائيلي. أما في القطاع ففيه 1.275مليون إضافة إلى 7500 مستعمر إسرائيلي) قد أدارها شارون بسياساته وبواسطة القوات المسلحة الإسرائيلية.
وتعود خطة شارون إلى 14/12/2003 وقد تضمنت يومذاك الانسحاب من المستعمرات الصهيونية في القطاع وعددها 21 مستعمرة. وقد أكّد شارون مشروعه في مؤتمر هرتزليا في 18/12/2003. وفي 2/5/2004 عرض شارون خطته هذه على حزب الليكود الذي أسقط المشروع. فعدل شارون مشروعه بالشكل الذي أشرنا إليه.
ولقد تعددت الآراء في المبادرة المصرية التي ترتكز على محورين أساسيين أولهما المحور السياسي وجوهره وقف العنت والعودة إلى التفاوض، والمحور الأمني وفيه أن ترسل مصر 150- 200 خبير أمني لمدة 6 أشهر. وقد أنذرت مصر إسرائيل بوقف اغتيال المقاومين والكف عن الهجمات وعن إعادة الاحتلال حتى تتسنى العودة إلى التفاوض. ومهمة هؤلاء المدربين أو الخبراء مساعدة رجال الأمن الفلسطينيين على ملء حالة الفراغ التي يسببها الانسحاب الإسرائيلي.