مع بداية حركات التغيير في عالمنا العربي، بدأ الحديث في الآونة الأخيرة عن الإسلاميين كفزاعة لترهيب العباد والبلاد تماماً كما كان يفعل ذلك الرئيسان المخلوعان بن علي ومبارك وغيرهما مع محاوريهم الغربيين، ومع فئات من شعوبهم لتفسير السياسات السلطوية من مركزية في الحكم، وتدخل في الانتخابات، ومنع للأحزاب إلى غير ذلك؛ وتبعتهما في ذلك زمرة من الكُتاب الغربيين بل والعرب الذين كانت تُعتمد كتاباتهم واستنتاجاتهم في منطوق واستراتيجيات السياسات الخارجية للدول الغربية كبرنارد لويس و"جيل كبيل" و"أوليفييه روا" وهنتنغتون وفريد زكريا وفؤاد عجمي؛ وما زلت أتذكر وأنا طالب بمعهد العلوم السياسية بمدينة تولوز الفرنسية، المفكر الفرنسي والكاتب الأوروبي الأول عن الحركات الإسلامية في العالم العربي "جيل كبيل"، يأتينا كمحاضر وهو ينفخ في خطورة الأحزاب الإسلامية وأنه لا مناص من ضرورة قبرها بتعاون مع الدول العربية لمصلحتها ومصلحة الدول الغربية على السواء. وأن الدول السلطوية إذا تبخرت فإن الأحزاب الإسلامية ستأخذ مكانها وستكون كارثة تسونامية في ضفة جنوب المتوسط، وسيزداد العداء تجاه الغرب وستكثر العمليات الإرهابية وتختلط أوراق السياسات الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي، وستدخل في متاهة لا منقذ منها. غير أن هذا الاستثناء العربي أو الاستثناء الإسلامي بسبب "الفزاعة الإسلامية" لم يعد له ذكر في الأشهر الأولى من تاريخ الحركات الاجتماعية في تونس ومصر، لأن من خلق ذلك الحراك الاجتماعي هم شباب يهتفون جميعاً بمبدأ الدولة المدنية، بمعنى غلبة الطابع المدني في التحرك الشعبي، لأنهم أرادوا إنهاء نظام بأكمله لم يعد صالحاً ولو لثانية أخرى؛ فحصحص الحق وزهق الباطل: فلا الدول العربية تشكل استثناء في موجات الانتقالات الديمقراطية التي عرفتها دول المعمورة، ولا التأزم الديني الذي كان هو السبب في التأزم السياسي، ولا المجتمعات العربية فاقدة لفئات مجتمعية قادرة على تحريك المياه الراكدة، ولا الأحزاب والحركات الإسلامية كانت هي مصدر هذه الأحداث التاريخية التي لم تخطر على بال أذكى المحللين السياسيين أو المنجمين النافذين؛ فالتأزم السياسي هو الذي كان وراء التأزم الديني وهو الذي كان وراء سلطوية صرصر عاتية جعلت الحياة السياسية صرعى كأنها أعجاز نخل خاوية، ومن دخل إليها لم يكن آمناً إلا إذا لبس لباس النظام القائم. لقد قمت منذ سنوات بالرد على نظريات "جيل كبيل" و"أوليفييه روا" وغيرهما في كتاب صدر بباريس سميته "السلطوية وآليات الانتقال الديمقراطي في دول المغرب العربي"؛ وكان محور الرد يتكئ على القناعة الأخيرة التي ذكرتها بأن السلطوية هي السبب في الاختناق الديني والسياسي؛ وأن هذا الاختناق السياسي بات على رأس جبل بركاني، فإذا بلغ السيل الزبى، وازداد غضب الناس، فإن المواد الصهيرية الحارة ستزداد وتصعد إلى أعلى وستصاحبها أبخرة وغازات تزيل النظام عن بكرة أبيه؛ وهذا ما وقع. وليس للإسلاميين دخل في تراكم تلك المواد المنصهرة، وإنما الشاب التونسي والشابة المصرية التي رأت في نور النهار ظلاماً وبؤساً وبطالة وظلماً وحيفاً جعلتهما يثوران ويخرجان إلى الشارع. ثم إن رياح الديمقراطية إذا هبت وترسخت، فإن صناديق الاقتراع ستكون هي الحكم الأسمى والقاضي الفيصل، وسيصبح الإسلاميون جزءاً من اللعبة السياسية كباقي الأحزاب، لأنه سيكون ثمة إجماع على قواعد اللعبة وسيكون هناك قانون أسمى وهو الدستور، وقوانين تنظيمية تصدر من رحم البرلمان، معمروها هم ممثلو الشعب الذين ارتضاهم لينوبوا عنه في التسيير وإصدار القوانين، وسيتحرر الإسلاميون من ويلات السجون والقيود، وسيذوقون مع الوقت حلاوة ومرارة الممارسة الديمقراطية وسيزول التشدد الديني في كل البلاد العربية التي تصبح الحريات الأساسية قاعدة دستورية فيها. ولا أظن أن الموضوع ينبغي أن يخيف محللي ما بعد الحركات الاجتماعية التي عرفتها بعض الأمصار، والأصابع تشير اليوم إلى "الإخوان المسلمين" والجماعات المنبثقة منهم أو التي تشبههم فكراً وسلوكاً كما هو الشأن في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن والأردن؛ فما كانت لهؤلاء ولو مساهمة بسيطة في إشعال وقود الحركات الاجتماعية؛ وإسلاميو حركة "النهضة" في تونس لم يتحركوا مثلًا إلا بعد إطاحة بن علي من الحكم. إن الآليات القانونية والمؤسساتية الديمقراطية في أغلب تلك الدول هي قيد الدراسة والتأسيس، قد يأخذ ذلك وقتاً وهذا شيء معقول، وقد تعتري هذه الفترة بعض الشكوك وبعض الإحباطات إما نتيجة للتباطؤ، أو بقاء بعض تبعات النظام الذي حكم ما يزيد على ثلاثة عقود ولكن هذا لن يدوم طويلًا؛ والجميع فهم خطاب المرحلة، وفهم مفهوم الدولة ومفهوم السياسة ومبادئ المحاسبة والموازنة وحكم الشعب بالشعب وأن الوطن ليس لأحد وإنما هو لعموم مواطنيه على السواء، لا فرق بين حاكم ومحكوم. أمواج الشباب العارمة التي أحدثت مغارة في جدار التحاليل الجيوسياسية القديمة عن السلطوية والديمقراطية في بلداننا العربية قادرة على تسيير المرحلة المقبلة إذا انتقلت من ميادين المظاهرات اليومية إلى ميادين المشاركة السياسية؛ لأن المرحلة هي مرحلة ضخ مسيرين جدد في الشأن العام ودخول كل الطبقات بما فيها الشباب إلى الأحزاب السياسية، وإذا ولوا القهقرى ستبقى نفس الأوجه بقواعد جديدة ولكن بعقليات قديمة ومتبالية.