تقدمت اللجنة المسماة رسمياً بـ"اللجنة الوطنية الخاصة بالهجمات على الولايات المتحدة" بتقريرها النهائي إلى الحكومة الأميركية... الكونجرس والرئيس. يشار إلى أن هذه اللجنة تم تشكيلها بشكل مشترك بين الكونجرس وهو السلطة التشريعية، والرئيس وهو السلطة التنفيذية، عن طريق إصدار قانون ملزم لمزاولتها عملها. إن هذه اللجنة المستقلة التي تعرف مجازاً بـ"لجنة الحادي عشر من سبتمبر" تتكون من أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري يبلغ عددهم ثلاثة عشر شخصاً بمن فيهم رئيسها ونائبه ومديرها التنفيذي ومقررها العام.
جاء التقرير في 567 صفحة من القطع المتوسط ونشر في شكل كتاب، وقد تلقفته أيدي القراء الأميركيين بشكل سريع جعلته ينفد من المكتبات في زمن قياسي. وبالطبع لا يمكن لنا التطرق لكل ما جاء فيه بإسهاب، ولكننا نشير إلى أنه جاء متعادلاً في تحميل المسؤولية لكافة الجهات الأميركية المسؤولة سواء تلك التي هي في السلطة الآن أو تلك التي خرجت منها قبل وقوع الأحداث. لقد ذكر التقرير أن المسؤولين الأميركيين فشلوا في تقرير جدية المخاطر التي شكلها تنظيم "القاعدة" على أمن الولايات المتحدة الأميركية ما أدى إلى عدم قدرة الجهات الأمنية على منع أفدح الهجمات الإرهابية التي شنت ضد الولايات المتحدة في عقر دارها.
وفي هذا المقام، ومن قراءتي السريعة للتقرير يمكنني أن أشير إلى نقطتين لفتتا انتباهي أكثر من غيرهما: الأولى تتعلق بأداء المسؤولين في الحكومة الأميركية، والثانية تتعلق بما أشار إليه التقرير بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة. فبالنسبة للنقطة الأولى يقول التقرير، إن أهم فشل واجهته الأجهزة الأمنية الأميركية يتعلق بعدم قدرتها على تصور ما يمكن أن يحدث، أي ما يمكن لتنظيم "القاعدة" أن يقوم به. فيقول واضعو التقرير إنهم لا يصدقون أن قادة الولايات المتحدة كلاً في موقعه، كانوا قد فهموا خطورة وواقعية التهديدات التي تلقوها. والدليل على ذلك أن خطر الإرهاب لم يكن في أي وقت عنواناً لحديث رئيسي يتعلق بالسياسات في أوساط العامة أو الإعلام أو الكونجرس، وكان من النادر جداً ذكره خلال الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2000.
إن هذا النوع الجديد من الإرهاب شكل تحديات للمؤسسات الحكومية الأميركية التي لم تكن مجهزة أصلاً للتعامل معه. إن ذلك يأتي في وقت ذكر فيه جميع المسؤولين الكبار أنهم كانوا قد فهموا الخطر. إلا أن التقرير يشير إلى وجود عدم تيقن في أوساط أولئك المسؤولين فيما إذا كانت التهديدات
الإرهابية التي سبقت الأحداث هي مجرد تهديدات روتينية كانت الولايات المتحدة تتلقاها لعقود من قبل جهات إرهابية مختلفة أم أنها نوع جديد كلية يشكل خطراً لا يمكن لأحد أن يتصوره لأنه يقع خارج التجارب المعهودة.
ويضيف التقرير أنه إلى أن حل الرابع من سبتمبر 2001 كان ريتشارد كلارك المسؤول في البيت الأبيض عن تنسيق السياسات المضادة للإرهاب، يقول إن الحكومة لم تكن قد قررت بعد كيف تجيب على السؤال المتعلق بكون "القاعدة"أمراً جللاً أم أنها تنظيم عادي كغيرها من التنظيمات التي تناصب الولايات المتحدة العداء؟ ولكن بعد أسبوع واحد فقط جاءت الإجابة.
ويختم التقرير ما يشير إليه في هذا الجزء قائلاً إن الإرهاب في مرحلة ما قبل الحادي عشر من سبتمبر لم يشكل اهتماماً أمنياً ذا أولوية قصوى بالنسبة للإدارات المتعاقبة إلى أن وقعت الكارثة. إن ذلك يعود في نظر التقرير إلى فقدان الرؤية السليمة بالنسبة لهذا الأمر لدى الإدارات. والدليل على ذلك هو أنها جميعها لم تنظر إلى التدخل العسكري في أفغانستان على أنه أمر مهم إلا في ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.
أما بالنسبة للنقطة الثانية فهي التي تتعلق بقيام الإدارة الأميركية بإقناع العديد من الأطراف الإقليمية في المنطقة بالحد من تعاملاتها مع حكومة طالبان. وهو يشير بالتحديد إلى دول ثلاث هي باكستان والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات. فبالنسبة للإمارات يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة تحدثت إليها بشأن إيقاف الرحلات الجوية التي كانت قائمة بين البلدين وإيقاف التعاملات المالية التي كانت تجري. وبالرغم من عدم إسهاب التقرير بهذا الشأن إلا أنه يقول إن ذلك قد حدث في الفترة ما بين العامين 1999 و2001، وإلى أن الإمارات كانت واحدة من الدول القليلة التي كانت تتيح لأفغانستان تسهيلات من هذا النوع.
وخلاصة القول، لقد جاء التقرير مسهباً في التفاصيل الدقيقة التي تحمل دروساً ومواعظ مفيدة يبدو أن المجتمع الأميركي يسعى جاهداً لاستيعابها لكي يتجنب ما قد يحدث في المستقبل، ولكي يحسن التعامل مع تداعياتها إن وقعت. وهذا النوع من التدقيق في فهم الأمور عن طريق مناقشتها وتمحيصها عوضاً عن إخفائها والتستر على الحقائق المتعلقة بها، هو ما يميز المجتمعات المتقدمة عن غيرها. والعبرة لمن اعتبر.