عند نهاية تقريرها الذي حظي بالمديح على نطاق واسع، تقدم لجنة 11 سبتمبر فصلاً وصفياً عنوانه "ماذا نفعل؟"، وفيه تقدم تأكيداً مذهلاً. فهي تقول إنه في النزاع الحالي الذي نخوضه، "ليس العدو هو فقط الإرهاب، بل شرّ عام شامل. فهذا الغموض يشوّش الاستراتيجية. والتهديد الكارثي في هذه اللحظة من التاريخ بات أكثر خصوصية. إنه التهديد الذي يشكله التطرف الإسلامي (يؤكّد التقرير)، ولا سيّما تنظيم القاعدة وأيديولوجيته والمتعاطفون معه".
بحركة واحدة، حاول أعضاء اللجنة إعادة كتابة مصطلحات الحرب العالمية على الإرهاب وحوّلوها إلى حرب اقتصرت على ما يسمونه "الإرهاب الإسلامي" فقط. ويكاد يبدو من غير المعقول أنه كان في وسعنا البقاء في حرب لهذه الفترة الطويلة دون تعريف مَن وماذا نحارب. لكن الحال كذلك، وهي لم تبدُ أبداً مسألة ملحّة للمشرعين. وعندما مثَلتُ أنا أمام لجنة فرعية في الكونغرس معنية بدراسة استراتيجيات الحرب على الإرهاب عام 2002 واقترحتُ أن الخطوة الأولى يجب أن تكون بإعلان تعريف موحّد، فوجئ أعضاء اللجنة وانعقدت ألسنتهم فوراً. ويسجّل في رصيدهم أنهم أفاقوا بسرعة فبدأنا مناقشة المسألة، لكن لم يظهر أبداً أي تعريف شامل للإرهاب لتستخدمه الحكومة الأميركية وليدخل في نظام تعليم الأميركيين. والآن، من الواضح أن الرئيس "بوش" ومؤيديه مستعدون للموافقة فوراً على التعريف الجذري الذي قدّمته اللجنة.
الإرهاب، بحسب تعريف المؤرخين العسكريين، شكل بشع مميّز وثابت من أشكال الحرب، وتكتيك منحرف قريب من الاستعباد والقرصنة والإبادة الجماعية. ومن أسباب تحجّج بعضنا في التسعينيات بحجج مؤيدة لبدء حرب حقيقية على الإرهاب (يشترك فيها الجيش والاستخبارات وهيئات فرض القانون)، هناك فكرة مفادها أنه يمكننا أخيراً أن نعلن أن "التكتيك"- مثل الأساليب الحربية الأخرى المنحرفة- قد خرج عن القيود، بالنسبة إلى جيوش الأمم المتحضرة والمنظمات التي ليس لها شكل الدولة.
ومن الصحيح أن العبودية والقرصنة مستمران، لكن فقط في زوايا العالم البعيدة، ولا شك في أن الإبادة الجماعية موجودة، لكن استخدامها بات الآن سبباً للعقوبة الفورية وردّة الفعل القوية (نظرياً، في أية حال) من جهة الأمم المتحدة. وكان حظر أساليب كتلك واجتثاث ممارستها أمراً من إبداع بعض العقول والقادة العسكريين الأفذاذ في العقدين الماضيين. وهذا الوقت صار مناسباً لإدانة الإرهاب على نحو مماثل كممارسة تنطوي على مفارقة تاريخية.
لكن، يجب أولاً أن نتفق على تعريف مقبول دولياً. فمن المؤكد أنه يجب أن يشتمل على ذبح المدنيين لأغراض سياسية كواحد من الملامح المميزة- وأي شيء غير ذلك سيكون سخفاً منطقياً. ومع ذلك، هناك في هذا البلد وغيره أصوات تناقش بحجّة مضادة لتعريف كهذا للإرهاب، فهي لا تريد استبعاد أسلحة الرعب، ولا تريد الاعتراف بأنه تم استخدامها في الماضي. وهل ينبغي على الولايات المتحدة الموافقة على أن تعريفاً محدّداً كهذا من شأنه أن يعني الاعتراف بأن عمليات قصف المدن الألمانية واليابانية في الحرب العالمية الثانية مثّلت إرهاباً فاعلاً. ومن جهة أخرى، هناك قلة من الدول المسلمة التي تريد مواجهة قوة جماعات إرهابية منظّمة بإعلانها كجماعات خارجة عن القانون بحكم الأمر الواقع وبحكم القانون.
في الميدان الفكري، وفي هذه الأثناء، هناك المنطق الذي يقول إن "المرء إرهابي في نظر شخص ما ومقاتل من أجل الحرية في نظر شخص آخر"، وهو منطق يواصل إبعاد المفكرين ذوي التوجهات اليسارية عن سبب التعريف. وهكذا يواصل نشره تضليلَ العالم، حتى عندما بدأنا حرباً ضد الظاهرة نفسها.
ومن الواضح أن لجنة 11 سبتمبر وصلت إلى الشعور، طول الأشهر الماضية، بأن تعريف الإرهاب شائك ومشكلة يجب توليها بأية طريقة، باستثناء الأسلوب الجزئي والمؤقت. وأعلنت اللجنة أن شن الحروب ضد الأساليب وعلى طبيعة الحرب نفسها هو أمر بالغ التعقيد. ونحن نحتاج إلى خوض حروب نوعية حول البشر، وليس حروباً عامة حول الأفكار (ولو أن هناك الثورة الأميركية، والحرب الأهلية الأميركية وحربين عالميتين).
وعلى هذا النحو، أزيل أي معنى أخلاقي أو فكري من مشاريع جيشنا في أفغانستان والعراق، وعموماً الحرب على الإرهاب. وما بدأ كحرب بين عقلية العصور الوسطى والعصور الحديثة، والأفكار التقدمية حول إصلاح الحرب والأفكار المتأخرة حول النزاعات المفاجئة، سيتحول فعلاً إلى "صدام حضارات" بين قيم التطرف الغربي وقيم التطرف الإسلامي إذا لم يتم تنفيذ توصيات لجنة 11 سبتمبر تنفيذا تاماً. وفي ذلك مواجهة مدمّرة. وبمعنى ينم عن المفارقة الشديدة لكن الحقيقية، سيكون الاختطاف النهائي لـ11 سبتمبر هو ما سيقود إلى حرب عالمية على الإرهاب نفسه.
وما أخفقت اللجنة في إدراكه هو أن كلمة "متطرف إسلامي" ليست ما سيُسمع في "الشارع العربي"، أو في أصقاع كثيرة من العالم، عندما يتم إعلان العدو التالي. وكانت ردة فعل الرئيس "بوش" في بادئ الأمر بالدعوة إلى شن ما يعني حملة عني