أطلقت صور الثورات العربية مع المحاكمة الكبرى في مصر لأقطاب النظام السابق يوم الأربعاء الماضي، حالة مقارنة في ذهني بين منطق الإصلاح الذي تقوم به النظم الرشيدة الواعية بمسؤولياتها السياسية والاجتماعية تجاه شعوبها، كما نرى في دول الخليج، وبين منطق التحجر ورفض تقديم خطوات إصلاحية تخفف من الفقر وحدة البطالة وضيق الأحوال الذي صمتت عليه نظم عربية أخرى، فدفعت الأمور إلى الثورة ونزيف الدماء. في تقديري ككاتب، أؤمن بمسؤوليتي القومية عن سلامة الوطن العربي وأقطاره جميعاً، وأتمسك بإحساس المسؤولية الاجتماعية عن تحقيق السلامة الاجتماعية وتوفير عناصر الاستقرار داخل كل قطر عربي. إن المعنى الأهم الذي يجب أن نتوقف عنده اليوم، هو معنى الفارق بين الإصلاح والثورة. الإصلاح عملية مستمرة تجريها يومياً النظم السياسية الرشيدة، تراعي فيها متابعة أحوال شعوبها، وترصد المشكلات المستجدة، التي يمكن أن تترتب في الاقتصاد على متغيرات دولية أو محلية. المتابعة هنا تستهدف الرصد المبكر لأي صعوبات تنشأ في حياة الناس الاقتصادية، والعمل على تداركها لإزالة المعاناة عن معيشة المواطنين. كذلك فإن الإصلاح يتحقق يومياً من خلال تقاليد التواصل الحميم بين قادة الدول في الخليج وبين المواطنين للتعرف على مشاكلهم وإيجاد الحلول الفورية لها، فضلاً عن عمليات التحديث وإنشاء مجالس سياسية منتخبة قادرة على القيام بدور الحلقة الواصلة بين هموم وتطلعات المواطنين وبين القادة الحاكمين. هذا النمط من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي المستمر، نلاحظه بوضوح في دول الخليج العربية، ويجب أن نبرزه ونقدمه كبديل لمنطق العجرفة على المواطنين من جانب بعض الحكام. هناك بعض المحللين الذين يقولون إن هذا النمط من الإصلاح المستمر والمستقر في دول الخليج، هو نتاج للاقتصاد النفطي الذي يحقق للدول وفورات مالية تمكنها من تطبيق سياسات تستهدف الإصلاح المطرد ورفاهية المواطنين. غير أنني أعتقد أن هذا القول ينطوي على مخالفة واضحة للحقيقة، فهناك مجتمعات عربية تتمتع بالاقتصاد النفطي مثل ليبيا. ومع ذلك، فإن الوفرة المالية لم تؤد إلى تحديث البنية الأساسية للدولة، فالمدن والشوارع والأرصفة مهملة، والجامعات أيضاً وسائر ركائز البنية الأساسية، كما أن أحوال المواطنين متردية ودخولهم الاقتصادية ضعيفة، وهو ما أدى إلى تفجير الثورة. إذن الوفورات المالية النفطية، ليست وحدها عنصر الإصلاح في الخليج، بل هي الإرادة السياسية لدى النظم الحاكمة التي عقدت العزم على الإدارة الرشيدة لموارد البلاد. نفس الشيء يُقال في البلاد كثيفة السكان قليلة الموارد، ذلك أنه كان في مقدور النظم الحاكمة أن تعمل في نفس الوقت إدارة رشيدة وإرادة إصلاحية على تكبير كعكة الاقتصاد الوطني للتخفف من حدة الفقر والمشكلات الاجتماعية. أتمنى أن ينتبه العرب جميعاً إلى نمط الإصلاح اليومي المستمر، ففيه شفاء المجتمع والناس بعيداً عن الثورات ونزيف الدماء. د. إبراهيم البحراوي أستاذ الدراسات العبرية - جامعة عين شمس