أعتقد أن بعض الإحصائيات التي ترد عبر الإنترنت تشكل أحياناً فكرة لموضوع أو إسقاط يستحق المناقشة. ومما وردني من بعض الأصدقاء مؤخراً عن العرب في أميركا ما يلي: يبلغ عدد السكان العرب في أميركا حوالي 5.3 مليون نسمة، و61 في المئة منهم يحصلون على درجات علمية عالية، مقابل 30 في المئة من المواطنين الأميركيين العاديين. ويبلغ متوسط دخل العربي حوالي 54 ألف دولار، مقابل43 ألفاً للأميركي، كما أن 57 في المئة من العرب يمتلكون بيوتاً أسرية، مقابل 43 في المئة بالنسبة لباقي الأميركيين. ويتبوأ العرب وظائف مهمة، ولهم وجود في معظم المؤسسات الخاصة، أكبر من وجود الأقليات الأميركية، بما في ذلك الأوروبيون واليابانيون والصينيون. يقول أحد الأميركيين: طالما توفرت الفرص والحرية والعدالة للأميركيين العرب فإنهم يتقدمون بسرعة مضاعفة، على رغم أنهم أتوا من بلدان فقيرة. ويضيف: لقد أفزعونا (العرب) بذكائهم ومنافستهم، حتى تحدَّونا في طريقة تفكيرنا وغيّروا منها! إن هذه الأرقام والمواضيع تجعلنا نتساءل: لماذا ينجح العرب خارج الحدود العربية؟! ولماذا ينتجون، ويتقدمون، ويجْنون أموالاً طائلة ويبنون المشاريع الضخمة في الخارج؟! أليس ذلك مدعاة لإعادة التفكير العربي؟! وبحث الأسباب التي تؤدي إلى التخلف العربي في الداخل، والتقدم العربي في الخارج؟! لقد ذكر الأميركي "جون كينيث" أنه "طالما توفرت الفرص والحرية والعدالة، فإن العرب يتقدمون بصورة مضاعفة"، وقد يكون هذا هو مفتاح القضية الحضارية المستعصية على العرب! فالثورات العربية الأخيرة كشفت العديد من مواقع الزيف في الحال العربي! وأن هذا الحال لا يلتفت إلى التعليم أو البحث العلمي أو التنمية البشرية، وغيرها من الديباجات التي عادة ما ترددها بعض الحكومات في خطاباتها على المنابر من أجل استهلاك الوقت، وفي كل حفل تخريج دفعة جديدة من الشباب العربي اليائس، الذي يخرج إلى الشارع فلا يجد فرصة عمل، فيلجأ إلى أية حيلة تخرجه بعيداً عن حدود بلده، حتى لو كانت قوارب الموت التي تحمله إما إلى "فردوس أوروبا" أو إلى قاع اليم وأنياب أسماك القرش! أما العدالة، فقد أثبتت الثورات العربية أنها في بعض تلك البلدان إنما هي "عدالة القوة"! فالنظام هو وحده الذي يمتلك قوة سن التشريعات وتطبيقها! وكم عانت بعض الشعوب العربية من تشريعات قاسية وظالمة. وكم من الناس قُتلوا أو عُذبوا دون أن تمتد إليهم يد العدالة وتنقذهم طوال أربعين عاماً من الحكم السلطوي في تلك البلدان المشتعلة حتى هذا اليوم، وكم من هؤلاء هاموا على وجوههم نحو أوروبا حيث العدالة التي لا تفرق لا في الدين ولا في اللون! وها نحن نشهد منذ أكثر من ستة شهور ثورات شعبية ضد بعض أنظمة الرعب المتمسكة بالكرسي، ذات الإعلام "المطنطن" للديمقراطية و"حب الجماهير" للرئيس "المحبوب"، والقائد الملهم، والأخ الزعيم... الخ. والإشكالية هنا أن الإنسان العربي يجد نفسه وسط أجيال تواترت على ثقافة الخوف وعدم التغيّر. فصار أن ترهلت بعض المؤسسات كما ترهلت العقول، ويئست العقول كما يئست النفوس، لأن الخائف، في جمهوريات الرعب، لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه القوي، حتى وإن كان على حق! لأنه لا توجد مؤسسات تقف معه، ولا توجد شعبية مؤازرة، ولأن القوي يجد المؤازرة من (الحرس الوطني والجيش والاستخبارات في مختلف الجمهوريات العربية). ولذلك فنحن لا نجترئ على الحقيقة إن قلنا: إن تلك الأنظمة العربية يدور عقلها في الفلك المؤامراتي، وهي تسن قوانين ضد أي إنسان يقترب من الخط الأحمر الذي يقيم المساءلة في قضايا الفساد أو غياب الحريات أو امتلاك الفرص أو ظلم العدالة! وقد شهدنا بعض الرؤساء المخلوعين الذين استنزفوا موارد البلاد، وكوّنوا -دون وجه حق- ثروات مليارية لهم ولأسرهم دون أن يفتحوا النوافذ كي ترى شعوبهم كيف تعيش الشعوب الأخرى، وكيف تتحقق الفرص لكل البشر -ومنهم العرب- في أميركا، وأيضاً في دول الخليج العربي. إننا نختلف سياسيّاً مع الولايات المتحدة، وندين انحيازها ضد بعض القضايا العربية ووقوفها إلى جانب الكيان الصهيوني في أعماله الخارجة على الشرعية أو مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها، ولكننا يجب أن نكون واقعيين في حكمنا على الأمور على الساحة الأميركية. فالقانون سيد الموقف في تلك البلاد. فالكل سواسية، الكل يقف في الطابور ويدفع الضرائب والتأمين، والكل يلتزم بحدود السرعة القصوى، ولا يقف في سيارته في أماكن ممنوع الوقوف فيها. والكل يعرف حقوقه حتى لو كانت عند المسؤولين الكبار أو المؤسسات الكبرى! ولهذا فإن المواطن الأميركي ينام في الليل قرير العين دون خوف من أحد. ولذلك فإن أبناء هذا المواطن الأميركي ينشأون نشأة سليمة مطمئنة وصحية، وينجحون في تخصصاتهم، ويخرج منهم الطبيب الماهر، والمهندس الناجح، وخبير القضاء العادل، والإعلامي الحر، والمعالج النفسي الواثق، وعالم الفضاء المغامر، والمخرج السينمائي المبدع، وعالم الآثار الباحث، والاقتصادي الناجح. يخرج هؤلاء ليجدوا الفرص حسب المؤهلات وحسب الشخصية واختبارات القبول، وليس حسب أي اعتبار آخر. وهكذا ينشأ الفرد معتداً بشخصيته وقوة تفكيره وحقه في أن يأخذ فرصة وبتساوٍ تام مع الآخرين. أما عندنا في العالم العربي، فإن خنق الحريات وتجهيل الطالب منذ الصغر وتخويفه من كلمة الحق، أمور منتشرة وتحتاج منا إلى إعادة تفكير في طرق التنشئة الاجتماعية في ثقافتنا. ولأن الأب ينشأ خائفاً وغير مستقر نفسيّاً، فإن الأسرة كلها قد تنشأ ذات النشأة. وخير دليل على ذلك أنني أحادث صديقاً عراقيّاً عن أعمال صدام -بعد شنق صدام بسنوات- وأجده يتلفت يميناً وشمالاً مذعوراً من ذكر اسم صدام! هذا الذعر الذي أوجدته الأنظمة الشمولية في أمخاخ الناس في جمهوريات الرعب العربية، هو الذي دعّم ندرة الفرص، وغياب الحريات، وانتفاء العدالة في العالم العربي.