ظلّت دولة الإمارات، طوال العقود الماضية، تولي البيئة اهتماماً خاصاً، وتضع تحقيق التوازن بين اعتبارات التنمية الاقتصادية من ناحية واعتبارات حماية البيئة من ناحية أخرى أحد المبادئ الأساسية لعملها وبرامجها التنموية، بما يحفظ للأجيال المتعاقبة حقها في التمتّع بالحياة في بيئة صحية وآمنة، وتتعامل الدولة مع قضايا حماية البيئة باعتبارها ليست ترفاً فكرياً بل إنها مطلب ملحّ من مطالب التنمية المستدامة وواجب وطني يجب الوفاء به، كما أن اهتمام دولة الإمارات بقضايا البيئة ليس اهتماماً سطحياً، بل إنه اهتمام حقيقي وعميق تضع له الدولة الأطر المؤسسية والتشريعات المتكاملة، وتتبنّى له الآليات المتطوّرة للتنفيذ، التي أثبتت كفاءتها وفاعليتها في تحقيق أهدافها طوال العقود والسنوات الماضية. تعدّ إمارة أبوظبي ذات دور رائد على مستوى دولة الإمارات في ما يتعلّق بمراعاة التوازن بين اعتبارات التنمية الاقتصادية واعتبارات حماية البيئة، بل إنها تعدّ علامة مميزة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعلى مستوى العالم أيضاً في الاهتمام بمعايير هذا التوازن المنشود، وتتعدّد المبادرات التي تطبّقها الإمارة في هذا الشأن، ولعلّ المبادرة التي تنوي شركة "أفيردا لإدارة النفايات" تطبيقها خلال السنوات الخمس المقبلة، التي تستهدف تحويل أبوظبي إلى أنظف مدينة في العالم، تمثل واحدة من أهم هذه المبادرات، وهي تنطوي على تجميع النفايات الصلبة وكبيرة الحجم والتخلّص منها بطريقة آمنة بيئياً، وتنظيف شوارع المدينة وتطهيرها، وصيانة الشواطئ العامة والمناطق التابعة لها، والقيام بخدمات التنظيف على مدار الساعة، وبالإضافة إلى ذلك تقوم هذه المبادرة على تقديم الحلول البيئية للمطوّرين في الجزر والمحميّات والمناطق العمرانية الجديدة التي تنشئها الإمارة، كـ "جزيرة ياس" و"جزيرة السعديات" و"شاطئ الراحة". هذه المبادرة تعدّ واحدة من المبادرات ذات البعد التنموي الاستراتيجي طويل الأجل، كونها تسير جنباً إلى جنب بالتوازي مع خطوات التنمية والازدهار الاقتصادي، بما لا يجعل مسؤولية حماية البيئة من سلبيات التقدّم الاقتصادي وبمنزلة القيد الذي يقف حجر عثرة أمام هذا التقدّم والازدهار، بل إنها تقوم على فكرة استيعاب هذه السلبيات واستثمار ما ينتج عن هذا التقدّم من مخلفات وإعادة تدويره بما يعود بقيم مضافة جديدة على اقتصاد الإمارة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن مثل هذه المبادرات من شأنها أن توجِد نشاطاً اقتصادياً جديداً أو على الأقل التوسّع في نشاط قائم بالفعل، والمقصود بهذا النشاط في هذا الموضع نشاط إدارة النفايات، ويقضي هذا التوسّع بطرح مشروعات استثمارية جديدة تمنح المستثمرين فرص تأسيس شركات وخطوط إنتاج جديدة ذات علاقات تشابكية مع عدد كبير من الأنشطة الأخرى، الأمر الذي يوجِد وفورات جديدة تساعد على تشغيل تلك الأنشطة، ويوجِد أيضاً فرصاً جديدة للتوظيف ويولّد المزيد من الدخول للعاملين فيها، ويرتد العائد الاقتصادي لذلك مرة أخرى في صورة طلب إضافي في الأسواق المحلية وفي صورة فرص جديدة للتوسّع والنمو الاقتصادي، ولا يمكن فصل هذه الميزة أيضاً عن ميزة أخرى ذات أهميّة مماثلة تتمثّل في إسهام هذه الأنشطة الجديدة في توسيع القاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل في اقتصاد الإمارة، والوفاء بأهداف التنويع الاقتصادي والمضي قدماً تجاه المزيد من الاستقرار الاقتصادي ودعم استدامة التنمية على مستوى الإمارة والدولة بشكل عام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.