سجال حول أعباء الورطة الأفغانية... وتأييد للاستمرار في المهمة الليبية اختلاف في فرنسا حول الاستمرار في الالتزام الأفغاني، مقابل اتفاق واسع على ضرورة المضي قدماً في المهمة الليبية. ورصد لبعض خلفيات مأزق إمبراطورية مردوخ الإعلامية. ثلاثة موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. فرنسا والفخ الأفغاني استقطب تزامُن العملية الانتحارية التي أودت بحياة خمسة جنود فرنسيين في أفغانستان مع عيد بلادهم الوطني (14 يوليو) اهتمام معظم كتاب افتتاحيات الصحف الجهوية والوطنية الفرنسية، حيث رددوا على نطاق واسع أصداء الاستياء والتذمر في صفوف الرأي العام تجاه تطاول زمن -وثمن- الالتزام الفرنسي في أفغانستان، متحدثين عما سموه الفخ الأفغاني. وفي هذا السياق ذهب الكاتب فرانسوا سيرجان في افتتاحية صحيفة "ليبراسيون" إلى أن "التدخل الغربي في أفغانستان قد أخفق، ولذا فإن على الغرب، الذي ظن أن في مقدوره حمل الحضارة والديمقراطية إلى ذلك البلد الفقير الممزق، أن يستخلص الدروس"، معيداً التذكير بأن "69 عسكريّاً فرنسيّاً دفعوا حياتهم ثمناً لهذه المعركة المشكوك في نتائجها، والتي لا تبدو لها نهاية قريبة". ولا يقل عن هذه النبرة تشاؤم الكاتب جان- كلود كييفر في افتتاحية "لادرنيير نوفل دالزاس" الذي يرى أن "المأساة الجديدة التي ضربت الجيش الفرنسي، ليست سوى حدث كاشف لحقيقة ارتباك المهمة في أفغانستان. فقد تحول ذلك البلد إلى مستنقع تغوص في أوحاله منذ عشرة أعوام قوات "إيساف"، وبصفة أساسية الجيش الأميركي". ويردد أيضاً ذات النبرة غير المتفائلة جاك غييون في افتتاحية "لا شارانت ليبر" متسائلاً بمرارة عن الأسباب التي تحول دون رؤية حقيقة اتجاه المهمة الغربية الحالية في أفغانستان إلى مآل من الفشل شبيه بذلك الذي انتهت إليه التدخلات الأجنبية السابقة هناك منذ الغزو البريطاني، والسوفييتي؟ وفيما يخص فرنسا تحديداً يرى الكاتب "ريمي غودو" أن استمرار الخسائر في الجنود الفرنسيين، سيدفع في النهاية بخيار التفكير في فك الارتباط والتسريع بالانسحاب، بل إن هذا الموضوع تحديداً سيفرض نفسه كديباجة رئيسية على أجندة أي مترشح خلال الحملة الانتخابية للرئاسة الفرنسية المقررة العام المقبل. وأخيراً قارن "أريك ديسار" في افتتاحية "لافوا دينور" بين مفارقة ظهور إجماع وطني فرنسي واسع على ضرورة الاستمرار في المهمة الليبية الراهنة، والملاسنات والمشاحنات السياسية والحزبية بشأن جدوى الاستمرار في الالتزام في أفغانستان، وكل هذا وقع في مدة زمنية لا تتجاوز يومين. الالتزام في ليبيا في صحيفة لوموند كتبت ماري- لوك مارياني، من المعهد العالي للتسلح والدفاع بجامعة باريس رقم 2، تحليلاً سياسيّاً حول دلالة الإجماع الفرنسي القوي على الاستمرار في الالتزام العسكري تجاه الشعب الليبي ضمن الجهد الأطلسي والدولي المستمر هناك. واعتبرت الباحثة أن موافقة البرلمان الفرنسي بأغلبية ساحقة (482 ضد 27) على المضي قدماً في هذا الالتزام لم يحمل أية مفاجأة، وذلك بالنظر إلى تقليد "الوحدة المقدسة" الذي يفرضه عادة وجود فرنسا في حالة حرب أو التزام عسكري خارجي، مشيرة في هذا الخصوص إلى أن هامش تحرك السلطة التشريعية في فرنسا في أمور الدفاع عادة ما يكون محدوداً للغاية مقارنة مع صلاحيات السلطة التنفيذية. وفي سياق متصل نشرت صحيفة لوموند أيضاً تحليلاً سياسيّاً آخر تحت عنوان "ليبيا: جاذبية الغموض البناء"، أثنت فيه على الدعم القوي الذي أبداه البرلمان للحكومة الفرنسية لكي تمضي قدماً في استكمال مساهمتها المحورية في إنجاح المهمة الدولية في ليبيا. واعتبرت الصحيفة أن المشرعين الفرنسيين اتخذوا الخيار الصائب تماماً، وذلك لأنه لا يوجد أي خيار آخر. فالضغط العسكري المتواصل هو وحده ما يمكن أن يدفع العقيد القذافي إلى التنحي عن الحكم. ومع هذا فليس سرّاً أن قصر "الأليزيه" كان يحلم بأن تستكمل المهمة قبل حلول اليوم الوطني الفرنسي في 14يوليو، إلا أن زمنها تطاول، على نحو غير متوقع. وللتذكير فإن فرنسا عندما تزعمت مع بريطانيا التدخل العسكري الدولي ضد طرابلس، إنما قررت ذلك لسبب محدد هو: حماية المدنيين الليبيين. ففي منتصف شهر مارس الماضي كانت كتائب القذافي منهمكة في موجة من القمع الصاخب مهددة بوأد آمال "الربيع العربي" التي كانت قد أدركت ليبيا حينها. بل إن "الزعيم" الليبي نفسه كان قد هدد حينها علناً بسحق سكان مدينة بنغازي، مهد الهبّة ضد نظامه. وبدعم من الجامعة العربية، تمكنت باريس ولندن من استصدار قرار من مجلس الأمن -القرار رقم 1973- هو ما سمح باستخدام القوة، ولكن من أجل هدف واحد محدد هو حماية المدنيين. ولكن كانت في الانتظار مفاجأة سيئة: فبعدما ساد اعتقاد بأن المهمة لن تأخذ أكثر من أسابيع لكي ينهار نظام القذافي، مرت الآن شهور دون أن تتحقق هذه الغاية. بل إن أهداف المهمة نفسها عرفت تغيرات ذات دلالة، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بحماية المدنيين في بنغازي ومصراتة، وإنما أصبحت صراحة تروم تغيير نظام طرابلس. ومع أن القرار الدولي لم ينص على ذلك، إلا أن الواقع يقول إنه لا توجد طريقة أخرى لتحقيق هدف القرار، بحكم ما أبداه نظام القذافي في مصراتة من استعداد لانهائي لقصف المدنيين بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة. ولكن إلى جانب ما يتيحه الخيار العسكري من عوامل ضغط، لابد أيضاً من تجريب ما قد تتيحه الدبلوماسية من فرص، وهنا يمكن فهم بعض أبعاد ذلك الغموض الدبلوماسي البناء المتضمن في بعض المواقف، مثل دخول باريس على خط الحديث عن الحلول السياسية، وكذلك إشاراتها إلى أن الهدف ليس بالضرورة خروج القذافي من ليبيا، وإنما خروجه من السلطة. وفي السياق ذاته كتب "موريس إلريك" افتتاحية في صحيفة "لومانيتيه" تحت عنوان "قائد حرب" قارن فيها بين مساعي ساركوزي قبل ثلاث سنوات للظهور كصانع سلام بين روسيا وجورجيا، والموقف الذي يظهر فيه اليوم باعتباره قائد حرب في كل من أفغانستان وليبيا، منتقداً مواقف الرئيس الفرنسي السياسية بصفة عامة، وخياراته في التعامل مع هاتين الحربين بصفة خاصة. مأزق "مردوخ" شنت صحيفة ليبراسيون في افتتاحية لها هجوماً قويّاً على قطب الإعلام روبرت مردوخ، على خلفية تكشف فضيحة التنصت من قبل بعض مستخدمي إمبراطوريته الإعلامية في بريطانيا. وقالت ليبراسيون إن صحف الإثارة التابعة لمردوخ التي كانت تبيع ملايين النسخ إنما صنعت أسطورتها من خلال ممارسات كالتنصت والتعدي على الحياة الخاصة لأفراد مشاهير وآخرين عاديين من المجتمع البريطاني. ولطالما بررت صحف الإثارة تلك، ومنافسوها أيضاً، مثل هذه الممارسات، بدعاوى من قبيل "الحق في الاطلاع". وكما يمكن أن نتوقع فإن تلك الممارسات لم تمر دون ضحايا، حيث انكسرت الحياة الخاصة لكثيرين. واليوم تدفع مجموعة مردوخ الثمن هي أيضاً، حيث تواجه الآن واحداً من أكبر وأخطر المآزق في تاريخها. والأهم من هذا أن ما يشبه التواطؤ الذي كانت إمبراطوريته مردوخ تحظى به من قبل الطبقة السياسية البريطانية يبدو أنه قد أدرك نهايته الآن، وهو تواطؤ جعل من مردوخ الرجل الأقوى في ذلك البلد. ولذا فقد فرض من خلال مطبوعات "التابلويد" الخاصة به أفكاره المحافظة المتشددة والمناهضة للمشروع الأوروبي. وفي المجمل فإن بريطانيا التي تتفاخر عادة بأنها هي مهد الديمقراطية ستربح كثيراً إذا عرضت مردوخ على العدالة، تقول الصحيفة. إعداد: حسن ولد المختار