دروس لإسرائيل في السودان... وتراجع المجتمع المدني داخل الدولة العبرية استفادة إسرائيل من التجربة السودانية، وتراجع المجتمع المدني الإسرائيلي، ومشروع قانون لتجريم مقاطعة إسرائيل داخلياً، ثم فشل إسرائيل في التعامل مع احتجاجات المطار... أهم القضايا التي تناولتها الصحافة الإسرائيلية خلال الأسبوع الماضي. إسرائيل ودرس السودان دعت صحيفة "هآريتس" في افتتاحيتها ليوم الأحد الماضي إسرائيل إلى التعلم من دروس السودان وانقسامه إلى دولتين، فبعد الاحتفالات الصاخبة التي شهدتها مدينة جوبا في التاسع من الشهر الجاري إيذاناً بميلاد دولة جنوب السودان الجديدة، وبعد مشاركة كثيفة للعديد من قادة العالم ومن بينهم رئيس السودان عمر البشير، لابد -تقول الصحيفة- من المقارنة بين جنوب السودان والدولة الفلسطينية، فالدولة الوليدة التي انضمت إلى المجتمع الدولي وأصبحت عضواً فاعلاً في الأمم المتحدة، لم تصل إلى هذه المرحلة إلا بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية التي مزقت السودان، فمنذ حصول هذا الأخير على استقلاله عن بريطانيا، دخل في أتون حرب أهلية بين شماله وجنوبه، ومر الصراع بمراحل متعددة ومحاولات مستميتة لوقف المعارك والتوصل إلى اتفاق للسلام، وفي كل مرة كانت تفشل الجهود والمساعي ليبقى القتال مستمراً إلى أن تمكن الطرفان من التوقيع على اتفاق السلام بنيروبي عام 2005 والذي يعطي الحق لشعب جنوب السودان في تقرير مصيره من خلال استفتاء عام تُحترم نتائجه من قبل الجميع. فعلى إسرائيل التعلم من هذا النضال الطويل بمنح الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة. ولعل الفلسطينيين، إذا ساندت إسرائيل جهودهم وكفت عن عرقلة محاولات الاعتراف بدولتهم، يشهدون أيضاً ميلاد الدولة رقم 194 ودخولها المجتمع الدولي كأحدث دولة تنضم للأمم المتحدة. الاحتجاجات في إسرائيل ينتقد الكاتب والمعلق الإسرائيلي "جدعون ليفي" في مقاله المنشور في "هآريتس" يوم الأحد الماضي الموقف الإسرائيلي العام، سواء كان من السلطة، أو الرأي العام تجاه الاحتجاج السلمي في الشارع، حيث دأب المواطن الإسرائيلي الذي يفتخر بأنه يعيش في دولة ديمقراطية تسمح بتعدد الآراء على استهجان الاحتجاجات والتظاهرات السلمية رغم ضرورتها في جميع الديمقراطيات، فالمواطن الإسرائيلي، يقول الكاتب، صار يتأفف من تعطيل الحياة العامة وتوقف السيارات وما يرافق الاحتجاجات من ضجيج ورفع للشعارات، لأنه غير مستعد للتضحية من أجل الحقوق، وربما تكون الحالات القليلة التي ينخرط فيه الإسرائيلي في الاحتجاجات هي المناسبات الأشبه بالاحتفالات مثل تخليد ذكرى اغتيال رابين، لكن عندما يتعلق الأمر بمناصرة حقوق الفلسطينيين، كما درجت على ذلك حركات السلام الإسرائيلية والتيار اليساري على استحياء، فالأمر يرقى في رأي السلطات إلى درجة الخيانة، بحيث يُعتقل الناشطون وتصدر في حقهم أحكام مع وقف التنفيذ، فيما توقع عقوبات قاسية على العرب المحتجين. وأمام هذا الواقع يبدي الكاتب تخوفه على مستقبل الديمقراطية في إسرائيل، فلا ديمقراطية دون حيوية المجتمع المدني بكافة أطيافه ومشاربه السياسية، ولا ديمقراطية أيضاً بدون ضغط الرأي العام والشارع على السياسيين ودفعهم للإنصات وتغيير توجهاتهم إن لزم الأمر. لكن المشكلة كما يراها الكاتب هي ضعف الالتزام المدني لدى المواطن الإسرائيلي الذي يفضل هناءة العيش فيما الفلسطينيون يعانون من الاحتلال والتمييز. مقاطعة إسرائيل انخرطت صحيفة "جيروزاليم بوست" في افتتاحيتها ليوم الاثنين الماضي في الجدل الدائر حالياً في إسرائيل بشأن مشروع قانون تقدم به عضو الكنيست "زئيف إلكين" وتمت الموافقة عليه في القراءة الأولى على أن تتم العودة إليه في قراءة ثانية، وهو المشروع المعروف بقانون "المقاطعة" الذي يسمح للشركات والمؤسسات الإسرائيلية التي تتعرض للمقاطعة من قبل ناشطين إسرائيليين برفع دعاوى تعويض أمام المحاكم، فالصحيفة ترفض من جهة حملة المقاطعة التي دعا إليها بعض النشطاء الإسرائيليون، متهمةً إياهم بالتهاون في الدفاع عن أمن إسرائيل والضغط عليها لتقديم تنازلات غير مقبولة للفلسطينيين، زاعمة أن إسرائيل عندما ترفض العودة إلى خط الهدنة لعام 1948 إنما تريد حماية نفسها ومواطنيها والحفاظ على التكتلات الاستيطانية الكبرى التي لا يمكن إزالتها، وهو الأمر الذي، تقول الصحيفة، يغيب عن أفهام أنصار السلام في إسرائيل، هذا بالإضافة إلى مطالبهم المتكررة بالانسحاب من الجولان فيما النظام السوري يقمع شعبه. وتضيف الصحيفة أنها ترفض سياسة لي الذراع التي لجأ إليها الناشطون لحمل إسرائيل على تجرع سياسات لا تستسيغها. لكن من جهة أخرى تتحفظ الصحيفة على مشروع القانون لأنه يحد من حرية التعبير، فالقانون الذي يفرض غرامات على المطالبين بالمقاطعة يتدخل في حق أصيل لدى المواطن الإسرائيلي متمثلا في التعبير عن آرائه مهما كانت، فلو صودق على المشروع وتحول إلى قانون ناجز سيصبح من حق الأفراد والمؤسسات والشركات المستهدفة بالمقاطعة التي يدعو إليها مواطنون إسرائيليون، المطالبة بالتعويض ليس فقط بسبب الأضرار الاقتصادية الناجمة عن المقاطعة، بل أيضاً عن فكرة الدعوة إليها وإطلاق المبادرة، وهو ما يتعارض في رأي الصحيفة مع حرية التعبير المكفولة في إسرائيل، إذ من حق المجتمع المدني إطلاق ما يحلو له من مبادرات، كما أن سن قوانين تقيد الرأي الآخر مهما بلغ به الشطط ليست الطريقة المثلى للوقوف في وجه دعوات المقاطعة لأن القانون بذلك يسيء إلى إسرائيل أكثر مما ينفعها. هستيريا في المطار بهذا العنوان استهل الكاتب والمعلق الإسرائيلي "حاييم سيزوفيتش" مقاله في الأسبوع الماضي منتقداً الطريقة التي تعاطت بها السلطات الإسرائيلية مع النشطاء القادمين إلى مطار بن جوريون للاحتجاج ضد إسرائيل، فالكاتب يرى أن الهدف الذي نظم من أجله هؤلاء النشطاء اعتصامهم في المطار وهو لفت أنظار المجتمع الدولي إلى الحصار المفروض على غزة ودفع وسائل الإعلام إلى تغطية تحركاتهم، تكفلت إسرائيل بالقيام به نيابة عنهم، ولا حاجة لهم للاستمرار في نشاطهم. فما أن أعلن مجموعة من نشطاء السلام المعارضين لمواصلة الحصار على غزة نيتهم الاحتجاج في المطار، وبعد إجهاض أسطول الحرية الثاني الذي منعته السلطات اليونانية، حتى توالت التقارير العسكرية والإعلامية الإسرائيلية مفصلة التدابير والإجراءات المتخذة والاستعدادات المهمة الجارية على قدم وساق لمنع وصول هؤلاء النشاط، أو اعتقالهم حال وصولهم إلى المطار، وكأن الأمر يتعلق باجتياح مسلح لإسرائيل. فعلى مدى الأيام الماضية انهالت علينا، يقول الكاتب، التحضيرات التي توزعت بين التقييمات الاستخباراتية التي يجريها الضباط مع مخبرين سريين في جميع أنحاء المطار، وتشكيل قوة عمل خاصة لمواكبة الحدث ومواجهة أي طارئ، بل إن هذا التهويل غير المبرر لم يقتصر فقط على الجانب العسكري، بل امتد إلى أعلى الهرم السياسي في الدولة عندما سارع مكتب رئيس الوزراء إلى إصدار البيان تلو البيان متحدثاً عن الجهود المبذولة لإحباط الاحتجاج في مطار بن جوريون، كما أن رئيس الوزراء كلف الوزير "أهارونوفيتش" بتنسيق عمليات مراقبة المطار فصرح أمام الصحفيين بأنه لن يسمح للمخربين بالتظاهر، هذا في الوقت الذي ضجت فيه وسائل الإعلام بتصريحات المسؤولين واستنفار أجهزة الأمن بكل تشكيلاتها لمواجهة بضعة عشرات من المحتجين، والحال أن الأمر لم يكن يستدعي كل هذه الجلبة التي أبانت عن ضعف القدرات التواصلية لإسرائيل وسقوطها في فخ التشهير بنفسها على حد تعبير الكاتب. إعداد: زهير الكساب