منذ عدة أسابيع طلبت مني مجموعة من المديرين الهولنديين الأذكياء والملمين بأحوال العالم، التحدث عن موضوع "معالجة التناقضات الكبيرة" وخصوصاً تلك التي يواجهها صناع القرار في مختلف أنحاء العالم في المجالات السياسية والاقتصادية. وقد سعدت بالاستجابة لطلبهم لأن هذا الموضوع كان مما يشغل تفكيري كثيراً، وأنا ألاحظ قادتنا وصناع القرار في دولنا، وهم يتصارعون مع مشكلات ليس لها حل واضح وسهل. ومعالجة التناقضات الكبيرة هي في جوهرها وصميمها عملية مفاضلة بين حل سيء وآخر أكثر سوءاً. لقد تعذب فلاسفة الأخلاق حول هذه الإشكالية طويلا عبر القرون، ولطالما حيرهم السؤال: هل من الأخلاق أن تبرر عملا سيئاً لأن البديل عنه أكثر سوءاً؟ وفي العصر الحديث وقف القادة السياسيون أمام هذه الإشكالية طويلا، ووجدنا ثمة من يرى أن قرار إسقاط القنبلة النووية على هيروشيما "كان رغم فظاعته أفضل من خيار الغزو الأميركي لليابان" الذي كان سينتج عنه ضحايا أكثر من ضحايا القصف الذري بأضعاف مضاعفة. إذن، ماذا عن الخيارات الصعبة التي يجد القادة اليوم أنفسهم أمامها، وهي اختيارات لا تقل صعوبة في رأيي عن المفاضلة بين الخيارين السابقين بشأن هيروشيما! في بريطانيا على سبيل المثال، يواجه التحالف المحافظ الديمقراطي الحر، تحت قيادة كاميرون، خيارات صعبة لحل المشكلة الاقتصادية التي تواجهها بريطانيا، لكنها (الخيارات) تندرج كلها تحت فئة الخيارات السيئة والأشد سوءاً. فالحكومة البريطانية، ونظراً لتقلبات الأسواق الدولية، والوضع الحرج للجنيه الاسترليني، تجد نفسها تحت ضغط خارجي هائل، من أجل العمل على خفض عجز الميزانية الضخم. وليس أمام كاميرون من سبيل لمواجهة ذلك الضغط، سوى الحل الخطر القائم على طبع مئات المليارات الإضافية من العملة النقدية الورقية، ثم الادعاء بعد ذلك ببرود أن الأجانب ليس لهم خيار سوى شراءها، وهو الشيء ذاته الذي تفعله إدارة أوباما. لكن ما هو الخيار المتاح أمام كاميرون لتضييق الفجوة في الميزانية البريطانية: هل حقاً ليس أمامه من حل سوى إرغام الناس على العمل لفترة متأخرة في حياتهم، والمساهمة بنصيب أكبر في معاشات تقاعدهم؟.. أم إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق على التعليم والصحة؟ كما نرى فإن كل خيار من الخيارين هو أسوأ من الآخر، بل أن اعتماد أحدهما وهو إجراء تخفيض كبير في الإنفاق على التعليم والصحة مثلا، دفع بمئات الألوف من المتظاهرين إلى الشوارع احتجاجاً على القرارات؟ أم هل يتم ذلك عن طريق خفض ميزانية الدفاع وبالذات البحرية مما يجعل هذا السلاح يصل إلى أدنى قوة له منذ مئات السنين، ويجعل أميركا تفقد واحداً من أهم حلفائها في الناتو. هل من أحد يملك حلا بسيطاً وذكياً لهذه المشكلة؟ الأنكى من ذلك، هو الخيارات الصعبة التي تواجه قادة الاتحاد الأوروبي، وهم يحاولون جاهدين تجنب احتمالات إفلاس اليونان وسقوطها. فالخوف هنا لا يتعلق بحب أثينا، ودورها في التاريخ الأوروبي، وإنما بالتداعيات التي يمكن أن تنتج عن ذلك على إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا، وبالتداعيات التي يمكن أن تحدث نتيجة تفكك منطقة اليورو بل و"الفكرة الأوروبية" ذاتها. والشيء الذي قد يكون أكثر إثارة للانزعاج والقلق من إفلاس اليونان وحدوث اضطراب في منطقة اليورو كلها، هو حدوث نكسة كبرى، مصحوبة باضطرابات اجتماعية واسعة النطاق لأربعة عقود من النمو الاقتصادي في الصين. فحالياً يقوم عدد لا يحصى من الأجانب بزيارة "شنغهاي" وبكين وغيرهما من مناطق الساحل الصيني المزدهرة، ويعودون وهم في غاية الانبهار بمشاهداتهم في تلك الدولة التي تعتبر المعجزة الأخيرة ضمن ما يطلق عليه "المعجزات الآسيوية". منذ زمن طويل في الماضي كان يقال إن جميع الطرق تؤدي إلى روما، وبعد الحرب العالمية الثانية وخروج الغرب منتصراً بقيادة أميركا كانت العبارة المأثورة هي أن" كل الطرق تقود إلى واشنطن"، أما الآن فإن هذه العبارة تغيرت لتصبح "كل الطرق تقود إلى جمهورية الصين الشعبية ". ليس هذا فحسب بل أن ما يحدث الآن أن الزيارات التي يقوم بها قادة الصين للدول الأجنبية، باتت تحاط بمظاهر أبهة وعظمة، وتحظى بقدر كبير من الاهتمام لا يقل عن الأبهة والعظمة والاهتمام التي حظيت بها زيارات تاريخية شهيرة، مثل الزيارة التي قام بها الإمبراطور مكسميلان الأول إلى أوجسبورج وغيرها. لكن الشيء الذي يغيب عن الصورة الخارجية، أن المعجزة الصينية قد بدأت تهترئ عند الأطراف، وبدأ الخلل يضرب بنيتها التحتية، بالإضافة إلى ذلك العدد الهائل من التظاهرات التي يقوم بها الفلاحون وحملات الدهم والقبض التي تقوم بها الأجهزة الأمنية للقبض على المشاركين في تلك التظاهرات. وهناك المطالبات المؤجلة الخاصة بملايين المواطنين الصينيين الذين يطالبون بتحسين مستويات حياتهم والوصول إلى مستوى الطبقة الوسطى خلال جيل واحد فقط. وهناك أيضاً فقاعة الإسكان الهائلة والاختلال البيئي الذي لا سبيل لوقفه، وكذلك المشكلة الكبرى التي قد لا ينتبه إليها الكثيرون خارج الصين وهي مشكلة نفاذ مخزون الصين من المياه العذبة. إن الجميع باستثناء العميان يجب أن يدركوا من خلال كل تلك المشكلات والمظاهر أن القيادة الصينية تمتطي صهوة نمر ضخم ولا تدري كيف تنزل من على ظهره، دون أن يلتهمها النمر. قد يقول قائل إن أميركا وفق هذه الصورة المقارنة تعتبر في حالة جيدة جداً: فهي لا تعاني من مشكلة مياه عذبة، وليس بها مظاهرات تطالب بالتحول للطبقة الوسطى خلال جيل واحد، وتتمتع بموارد زراعية هائلة ومستدامة، وبطاقة سكانية متينة ومحترمة، وقوة عسكرية رهيبة تعتبر هي الأقوى في العالم... وغير ذلك من مزايا لا حصر لها. طالما أن الأمر كذلك فما السبب الذي يجعلها تنمو ببطء؟ وما سبب المشكلات التي يعاني منها قطاع البنوك وقطاع الرهن العقاري فيها؟ وما الذي يجعل بنيتها التحتية تتخلف عن بنى الكثير من الدول في أوروبا وآسيا؟ ولماذا لم تتمكن من تحقيق نصر حاسم في المهام العسكرية المنخرطة فيها في أجزاء مختلفة من المعمورة حالياً وخاصة العراق وأفغانستان. إن السبب الأساسي الذي يجعل الولايات المتحدة على هذا النحو هو أن سياساتها تتخذ على نحو متزايد مظهراً بانتوميمياً (التمثيل والتعبير بالإشارات والإيماءات من دون كلام) يسبب إرباكا لدى الكثيرين. وكل شخص في هذه المسرحية التي تتم من خلال فن البانتوميم، بدءاً من الرئيس وممثلي الكونجرس بمجلسيه ووسائل الإعلام واللوبيات ومجموعات المصالح، بل و"الرجل الغاضب في الشارع"... كل منهم يضع اللوم في ذلك على الآخر أو على الآخرين جميعاً. كل ذلك يوصلنا في نهاية المطاف إلى النقطة الأساسية وهي أن جميع المفكرين والمثقفين والخبراء (مثلي) ورغم حقيقة أنهم بارعون في وصف المتناقضات، إلا أنهم يبدون عاجزين عندما يتعلق الأمر بتقديم حلول مناسبة، أي اقتراح إجراءات تكون عملية من ناحية، ومفيدة من ناحية أخرى. لا جديد في ذلك طبعاً... فالخبراء والفلاسفة والقادة منذ فجر التاريخ وحتى الآن اصطرعوا مع المشكلات دوماً، واحتاروا أمام القرارات المناسبة. فتلك في النهاية كانت وظيفتهم، وكان لابد لهم أن يؤدوها. وجوهر ما كانوا يقومون به يمكن تلخيصه في عبارة قالها مفكر فرنسي في القرن الثامن عشر وهي: "أن تقود معناها أن تختار". بول كنيدي استاذ التاريخ بجامعة ييل ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تربيون ميديا سيرفيس"