هل كان الرئيس علي عبدالله صالح -المُطالب برحيله عن السلطة في اليمن- بحاجة إلى هذا الظهور الإعلامي بعد أن خضع لثماني عمليات إثر الحروق والإصابات التي تعرّض لها بعد الحادث الذي فجر مسجده، ومعه بعض كبار المسؤولين الرسميين؟ حيث أصيب أكثر من 87 من كبار المسؤولين اليمنيين الموالين له في انفجار من داخل المسجد وهم يعالجون في مستشفيات المملكة العربية السعودية حاليّاً. وهل حالة صالح الصحية تسمح له بأن يطل تلك الإطلالة ولا يقول شيئاً لإنقاذ بلده وللخروج به من هواجس الاتجاه إلى حرب أهلية؟ ليعود للمربع الأول متمسكاً بالسلطة ويكرر كلمات من قبيل "الشراكة" و"الحوار" مع شعب أغلبه "يسأله الرحيلا"! كما قال الشاعر العربي نزار قباني في إحدى قصائده. هل كانت تلك الإطلالة عبارة عن محاولة "إثبات الحضور"، والتذكير بالذات، وهي بطبيعة الصورة والواقع ذات في موقف صعب، وتناقض صور الرئيس السابقة والأنيقة مع بدلته الفرنسية وربطات عنقه الفاخرة ونظارته ذات الماركة العالمية المذهبة! حيث خرج على الملأ بشكل لا يخفى على الناظر أنه صعب وعصيب، حيث ظهر وهو يلف رأسه بشماغ "غترة" أحمر، لربما وضعه لتغطية جروح رأسه. كما أن يديه كانتا مربوطتين إلى ضمادات ولم يحركهما. هل كانت تلك الكلمة المتلفزة دعوة لليمنيين لأن يطالبوه بسرعة العودة؟ في الوقت الذي ينتظر بعض من أبناء اليمن أن يطوي صالح الصفحة غير المرغوبة ويعتذر للشعب اليمني عما حصل في الماضي، وينقل صلاحياته لنائب الرئيس، ويستمتع بقية عمره في مكان آمن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولكن قد يبدو من الكلمة أنه ما زال متمسكاً بالسلطة وهو ما لا يضمن مصير أفراد العائلة التي يمكن للمبادرة الخليجية، التي رفضها بداية، أن تضمن لهم مستقبلاً آخر غير المستقبل الذي ينتظرهم في حال سقط النظام، أو استمرت عمليات القتل والتفجيرات في اليمن. ويتساءل صالح بلهجة لا تخلو من الشعور بالمرارة: "أين الرجال المؤمنون الذين يخافون الله؟ لماذا لا يقفون مع الحوار ومع الوصول إلى حلول مرْضية؟". هل هذا وقت للحوار والحلول المرضية بعد أن سقط كثيرون على طريق إزالة النظام؟ ثم ما هي الحلول المرضية؟! وأول اشتراطات الحلول لدى الشعب اليمني هو رحيل الرئيس وحزبه عن السلطة. وترك اليمنيين يقررون مستقبلهم، بعد حكم دام أكثر من ثلاثين عاماً، لم ينجح في أن ينتشل البلاد من حافة الفقر، مع ما يتردد عن سوء إدارة المليارات التي تتدفق على اليمن من هنا وهناك. وإذا كان صالح يريد رفع معنويات أنصاره، فإن الجانب الآخر من الشعب وهم الثوار اعتبروا خطابه بمثابة "إعلان حرب"، حيث لم يتحدث، في نظرهم، عن المطالب المستحقة لملايين اليمنيين المطالبين برحيله منذ أكثر من ستة شهور! ولقد شاهد العالم الأطفال والنساء والشيوخ وهم يرسمون علم بلادهم فوق جباههم وهم يرددون "ارحلْ"! وربما يكون ظهور صالح على شاشة التلفزيون قد عقد من القضية المستعصية في اليمن، وأعاد الكرة إلى ضربة البداية بعدما ساد اعتقاد بأن الشوط الأول قد انتهى، وبعد شد وجذب أصيب فيهما من أعمال الخشونة كثير من أبناء الشعب اليمني الذي أرادها مباراة سلمية، بل لعلها زادته حماسة لإكمال الشوط الثاني، ولربما الوقت الإضافي حتى ضربات الجزاء التي حتماً سيفوز بها الشعب، لأنه الأكثر. والهدف لدى المحتجين واضح، وإن كان الدفاع "المستميت" من جانب الحكومة ما زال حاضراً أيضاً! وإذا ما كان "رأس الحربة" قد حاصره دفاع الشعب، وهوجم وهو في حصنه المنيع، فكيف سيضمن صالح عودة سعيدة إلى اليمن لإكمال المباراة، بعد أن لاحت في الأفق بعض غيوم اللاعودة؟! لقد ظهرت تحليلات مؤداها أن فترة وجود صالح في السعودية قد لا تكون قصيرة. ولربما تكون هنالك ترتيبات لالتحاق عائلته، وطي صفحة من الصفحات المؤلمة في تاريخ اليمن الذي كان سعيداً. من جانبه فإن اللواء علي الأحمر، قائد المنطقة الشمالية، قد رفض أي مقترح جديد، دون تنحي صالح، وتطبيق المبادرة الخليجية. إن ما يود جيران اليمن معرفته، في المقام الأول، هو ماهية الحكم الجديد! وما هي تطلعاته أو شكل علاقاته الخارجية؟! ومن سيضمن عدم دخول اليمن أتون حرب أهلية؟! ذلك أن حتميات الأرض واضحة بين تجاذبات "القاعدة" والحوثيين وأهل الجنوب الذين يطالب بعضهم بفضّ الوحدة. ويبقى أخيراً القول إن القضية تعتمد على الظروف السياسية المحيطة باليمن، وليس على المعادلة اليمنية الداخلية وحدها. ولربما تظهر مفاجآت جديدة على السطح خلال الأيام القليلة القادمة، وتطوى صفحة التجاذب الحالية، ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود على طريق الحكم الديمقراطي المنشود في بلد يشهد العديد من التناقضات والمشاكل، ويخشى في أسوأ الاحتمالات أيضاً أن تضطر دول الجوار إلى الاستعداد لمواجهة سيول النازحين، والحاجة للأسلحة، جراء اندلاع حرب أهلية -لا سمح الله- في هذا البلد العزيز.