في ظل الإضرابات القائمة في المنطقة العربية ثمة مجموعة من العناوين العامة التي تملأ المشهد ويتمّ تداولها على نطاقٍ واسعٍ، مثل الحوار، المحاكمة، الفساد، الثورة وغيرها من العناوين التي تحكم تفكير الناس وحراكهم وترفعها أو تعتمد عليها الأنظمة والأحزاب أو الأفراد والجماعات على حدٍ سواء. الحوار على سبيل المثال أصبح شعاراً مرفوعاً في عددٍ من الدول العربية التي تشهد اضطراباتٍ تختلف طبيعتها من بلدٍ لآخر دون شكٍ، حيث لكل بلدٍ معطياته الخاصة وطبيعته المختلفة، في اليمن والبحرين وسوريا على سبيل المثال حضر الحوار كحلٍ مقترحٍ من قبل السلطة والمعارضة أو من قبل السلطة وحدها. في اليمن خرج الرئيس اليمني في أوّل ظهورٍ تلفزيوني له بعد محاولة اغتياله داعياً الجميع في السلطة والمعارضة إلى الحوار والمشاركة، بحيث عاد بخطابه السياسي إلى نفس الثوابت التي كان يدعو لها قبل الحادثة، فلا جديد على الأرض، والصحيح أن اليمن مختلفٌ عن غيره من الدول العربية التي شهدت احتجاجاتٍ واسعةٍ، فلم يزل الرئيس صالح يحظى بحضورٍ في الشارع اليمني وإن اختلف البعض في حجمه فلا أحد ينكره، وبرغم كل الحديث الذي تطرحه المعارضة عن فساده وفساد نظامه منذ ثلاثين عاماً إلا أنّه يحسب له أنّه لم يستخدم عنف الدولة كما يجري في سوريا أو ليبيا، وأنّه لم يزل قادراً على إدارة البلاد في ظروفها الحالكة اليوم من غرفة العناية المركزة في الرياض بعيداً عن الديار. الوضع في البحرين ضمن تشابكاتها الداخلية ومحاولات بعض الدول الإقليمية التدخل في شأنها الداخلي يبدو وضعاً كان مفتوحاً على خياراتٍ عدةٍ، ولكن يظهر اليوم أنّ الرؤى هناك من جانب السلطة وجانب المعارضة قد اجتمعت على أنّ الحوار الحقيقي، الداخلي البحت والوطني الكامل هو محل إجماعٍ بين الفرقاء، وتتجه البحرين بهذا الحوار السياسي الذي نأمل أن يكون شاملاً وشفّافاً إلى تجاوز الأزمة، فالمشكل هناك ليس طائفياً ولا أمنياً وإن حاول البعض إلباسه هذا اللبوس بل المشكل هناك سياسيٌ بامتياز ولذلك يجب أن يكون المخرج والحلّ سياسياً كذلك. أما في سوريا، فلا يبدو الحوار مخرجاً لشيء هناك، لأن النظام أولاً وكما ظهر أكثر من مرةٍ غير، جادٍّ في هذا الحوار الذي يدعو إليه، ثمّ لأنّ هذا الحوار جاء متأخراً عن وقته الطبيعي ثانياً، وثالثاً لأن الحوار ليست له الأولوية في الحلّ المطروح على الأرض من قبل النظام، بل لم يزل الحلّ الأمني والعسكري والقمعي هو صاحب الصدارة والريادة، وهو ما أفقد الشعب الثقة في النظام، وفي هذا كان الحكيم الصيني كونفوشيوس يقول: "كل واحدٍ يموت، ولكن إذا ماتت ثقة الشعب بحاكميه فإن قاعدة الدولة تنهار". المعارض السوري عارف دليلة قال حسب تصريحه للشرق الأوسط 8 يوليو: "الحوار غير صحّي"، وقبله صرّح المعارض السوري لؤي حسين 2 يوليو بقوله: "أنا أدعو لعدم قيام حوارٍ مع النظام على الإطلاق لأنّه لا جدوى من هذا الحوار"، وأضاف أنّه يدعو للتفاوض مع السلطة وليس الحوار فقط. يقول مونتسكيو: "يكمن الحس السليم أكثر ما يكمن في معرفة الفروق بين الأشياء" تاريخ الأفكار السياسية 2/531، وكما طرح لؤي حسين فالتفاوض هنا مفهومٌ مختلفٌ عن الحوار فـ"الحوار هو أسلوب مكاشفةٍ ومصارحةٍ وتعريفٍ بما لدى طرفٍ ما، من دون شرط التوصل إلى اتفاق مع الآخر وأيضاً من دون مدى زمني محدد ... أما التفاوض فهو ينطلق من معرفة مسبقةٍ بما يريده الآخر لكن في إطار المحادثات التي تستهدف مسبقاً الحصول على مكاسبٍ في جانبٍ مقابل تنازلاتٍ في جانب آخر" معجم المصطلحات السياسية والدولية ص145. يبدو أنّ الشعب السوري قد أوضح في الجمعة الماضية التي أسماها جمعة "لا للحوار" موقفه من الحوار الذي يطرحه النظام، وكانت الشعارات التي هتف بها الناس معبرةً أكثر حين ردّد نصف مليون في حماة وغيرها من المدن والقرى السورية "يا بشّار مافي حوار"، هذا في الشارع، ولجان التنسيق رفضت الحوار، والمعارضة شككت فيه وفي قيمته، ما يعني رفضاً كاملاً للسياق الذي جاء فيه هذا الحوار وما اكتنفه من قبل السلطة من قصورٍ في التصوّر العام لما يجري في عرض البلاد وطولها. لا ينجح أي حوارٍ دون قواعد مشتركةٍ، ولا يصل لغايته إذا انعدمت الثقة بين أطرافه، ولا يؤدي لأيّ نتيجةٍ إذا كان طرف يريد استخدامه ألعوبة للتلهية لا للفعل وكما يظهر فهو في سوريا حوار لذرّ الرماد في العيون كي لا ترى حجم الاحتجاجات على الأرض، ولكسب مزيدٍ من الوقت، ولإضعاف المعارضة في الشارع وشقيقتها في الخارج. كان الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردّوني مصاباً بالجدري الذي وضع علاماته البشعة على وجهه وأصابه بالعمى، وعندما سئل عن وضع اليمن قال عبارته الشهيرة: "أنظر إلى وجهي تعرف أحوال اليمن" ولو أردنا الاستعانة بهذه العبارة اليوم لقلنا إنّ جسد اليمن السياسي اليوم لا يختلف كثيراً عن الهيئة التي خرج بها الرئيس اليمني مخاطباً شعبه، فالحال هناك جمودٌ في المشهد، سوادٌ في الأفق، وشعارات كبرى تحلق في دوائر مفرغةٍ وهي تهمهم بالدستور والديموقراطية والشعب والمشاركة. قيل الكثير عن دوافع مثل هذه الاحتجاجات في أكثر من بلدٍ عربيٍ وكتب الكثير حولها، واستحضر الكثير من الناس مقولاتٍ لعددٍ من مشاهير التاريخ من ساسةٍ وفلاسفةٍ ومفكّرين في محاولةٍ لفكّ طلاسم ما يجري وهي مقولاتٌ وأراءٌ وأفكارٌ فيها الغثّ والسّمين وكثيرٌ منها يصدق في حالاتٍ وينتفي في أخرى، وعددٌ منها يبدو صائباً وصادقاً حين تقارنه بالواقع، ومن ذلك قول عالم الاجتماع الأميركي جيمس ديفيز: "إن ما يستثير مجموعة ما إلى مهاجمة حكومة ما ليس مجرد الفاقة أو البؤس، بل وجود فجوةٍ بين ما يريد الناس وما يحصلون عليه" نقلاً عن تشريح الثورة ص55. يجب أن نتساءل هنا عن بعض المعطيات، هل يمكن أن ينجرف بعض البشر الغاضبين إلى استخدام السلاح ضدّ الدولة في لحظات الاضطراب؟ الجواب هو بكل صراحةٍ نعم، ولكن يجب أن نسجّل للمحتجّين في سوريا أنّهم رغم كثافة القمع الممارس ضدّهم لم يلجأوا للسلاح بعد، وحين يعرض التلفزيون السوري مقاطع فيديو يكتب تعليقاً عليها "مسلّحون يصوّبون أسلحتهم للأبرياء" لا نجد في الصور أيّ مسلحٍ، بل مجرد أطفالٍ كأطفال الحجارة في فلسطين ولا نجد سلاحاً سوى الحجر، وحين يكون الشعب اليمني شعباً مسلحاً بالكامل ولا يستخدم أحدٌ منه السلاح، بل يكتفي بالعمل السلمي والتظاهر يجب أن نسجّل هذا له. وحين نسأل هل يمكن أن تسفر هذه الاحتجاجات عمّا هو أسوأ من القائم أو عن حروبٍ أهليةٍ أو فوضى أو فتنةٍ طائفيةٍ؟ فالجواب كذلك نعم، هذا احتمال قائم، فحرب ليبيا الأهلية مثال الأوّل، وفوضى مصر مثال الثاني، ونستعيذ بالله من الثالثة.