إذا كان فوز ينجلاك شيناواتر برئاسة الوزراء في تايلاند، يمثل حدثاً فريداً كونه يأتي بها كأول امرأة في تاريخ البلاد لتشغل ذلك المنصب، فإن ما نشرته وسائل الإعلام يوم السبت الماضي حول قيام لجنة الانتخابات بالتحقيق في شكوى تتهم ينجلاك بشراء أصوات الناخبين بأطباق من المكرونة... هو من أطرف التوابع الارتدادية للانتخابات العامة التايلاندية الأسبوع الماضي. ومع ذلك فالسؤال هو عما إذا كانت ينجلاك قادرة على العبور بتايلاند من "مرحلة المكرونة" كعنوان لأزماتها الحالية، نحو استعادة طريقها الديمقراطي وازدهارها الاقتصادي المفقودين؟ وهل ستقبل مراكز القوى الأساسية في البلاد، متمثلة في الجيش والملكية، بنتائج الانتخابات الأخيرة، بعدما ألقت بثقلها وراء رئيس الوزراء المنتهية ولايته "أبهيسيت فيجاجيفا" و"الحزب الديمقراطي" الذي يتزعمه؟ ينجلاك سياسية جديدة على عالم السياسة، لم تتمرس بتعقيداته الشائكة ودهاليزه غير السالكة، ولم تكن معروفة للرأي العام التايلاندي قبل شهرين من الآن. لذلك حين وجّه إليها "الحزب الديمقراطي" في منتصف مايو الماضي دعوة لإجراء مناظرة سياسية مباشرة مع رئيسه "آبهيسيت"، ردّ حزبها "بويا تاي" برفض المبادرة، قائلا إن الحوار يمر بصناديق الانتخابات العامة أولا. وبالنسبة لأنصارها فإن ينجلاك (44 عاماً) شابة "ماهرة ومثقفة وجميلة وطيبة... وستفرض التغيير الحقيقي وتضفي بصمتها الخاصة على تايلاند حين تصبح أول رئيسة وزراء للبلاد" منذ أن تحولت نحو النظام الديمقراطي قبل 79 عاماً. ولدت ينجلاك شيناواتر عام 1967 لعائلة غنية من أصول صينية في إقليم "شيانج ماي" في الشمال الغربي التايلاندي، وكانت الأصغر بين تسعة إخوان وأخوات، أما أخوها بكر الأسرة الذي يكبرها بـ19 عاماً فهو تاكسين الذي سيصبح سياسياً مشهوراً ورجل أعمال ناجحاً قبل وبعد توليه رئاسة الحكومة التايلاندية. وقد تخرجت ينجلاك من قسم العلوم السياسية بجامعة "شيانج ماي"، ثم حصلت على شهادة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة كنتاكي بالولايات المتحدة، لتتدرب في أكثر من مؤسسة تملكها عائلتها، قبل أن تصبح المدير الرئيس لشركة الاتصالات الهاتفية "شاين كورب" المملوكة لعائلتها أيضاً. وعقب الإطاحة بأخيها من سدة الحكم عام 2006، وجهت له السلطة الجديدة اتهامات بالفساد وتزوير الانتخابات، أشفعتها بحل حزبه وحظر أنشطته السياسية. لكن أنصاره أنشؤوا حزباً سياسياً بديلا في سبتمبر 2008، هو "بويا تاي"، أو "من أجل تايلاند"، فكانت ينجلاك أحد الأسماء المطروحة لزعامة الحزب الجديد. بيد أنها اعتذرت عن تولي ذلك المنصب، قائلة إنها لا تريد أن تصبح رئيسة وزراء، بل تفضل التفرغ لأنشطتها كسيدة أعمال، والقيام بأدوار سياسية محدودة أو ثانوية. لكن الاتصالات التي أجرتها قيادة الحزب في الداخل، ومع تاكسين في المنفى، أفضت أخيراً إلى اختيار ينجلاك على رأس قائمة مرشحي الحزب لانتخابات 2011 التشريعية، وذلك لأن نسبة كبيرة من الناخبين التايلانديين لازالوا على تأييدهم لشقيقها تاكسين، ومن ثم سيرون في اسمها رابطاً يشدهم للحزب. وفي 16 مايو 2011 صوت حزب "بويا تاي" على ينجلاك كزعيمة لمرشحيه في مواجهة "الحزب الديمقراطي" بقيادة رئيس الوزراء "فيجاجيفا". ورغم فارق السن والخبرة بين الاثنين، فقد أدارت ينجلاك واحدة من أنجح الحملات الانتخابية في تايلاند، ويعود ذلك للجهود التعبوية التي بذلها قادة الحزب في مختلف أنحاء البلاد، وإلى اعتمادها على خبراء متخصصين في مجال الدعاية والعلاقات العامة من أمثال "مارك بين" الذي كان مستشاراً لهيلاري كلينتون خلال حملتها الداخلية للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة، وقبل ذلك عمل مستشاراً لتوني بلير في حملاته الانتخابية الثلاث الناجحة. وقد وضع "بين" خلال الانتخابات التايلاندية الأخيرة رابطاً ذهنياً قوياً بين ينجلاك وثاكسين وحزب "بويا تاي"، وذلك عبر شعارات منها مثلا: "تاكسين يفكر، وبويا تاي يتصرف". هذا طبعاً إلى جانب الدعم المعنوي والمادي الذي قدمه ثاكسين لينجلاك، والتي قال إنها "نسخة" منه وإنها تشبهه في أكثر المواقف والأفكار والخيارات. وعندما سئلت ينجلاك نفسها إن كانت تحب ثاكسين أجابت: "إني أخته الصغرى، وهل يمكن أن يوجد من هو أحب من الأخت الصغرى!". وتمحورت الحملة الانتخابية لينجلاك حول ثلاث قضايا رئيسية هي: تحقيق المصالحة التايلاندية، وتضييق الفجوة بين أغنياء بانكوك وفقراء القرى والأرياف، وأخيراً إعادة إنعاش الاقتصاد التايلاندي المتراجع منذ خمس سنوات، أي منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بأخيها من رئاسة الحكومة حين كان في زيارة للولايات المتحدة عام 2006. كما وعدت ينجلاك بتقديم مساعدات اجتماعية للفقراء في الأرياف التايلاندية، وهي المخزون الرئيسي للتأييد الذي حظي به ثاكسين، وقد دفعه في حينه نحو سياسات اتهمها خصومه بالشعبوية، فكان ذلك أحد المبررات التي ساقها قادة الجيش لتسويغ إطاحته من سدة الحكم. وكان ثاكسين قد واجه تحديين قد لا تضطر ينجلاك الآن لمواجهتهما؛ أولهما الجيش الذي كان يتخوف البعض من إمكانية اعتراضه على فوزها بالانتخابات، لاسيما أنه دعم منافسها القوي، وأنه سبق أن أطاح بثاكسين تحت ذريعة انتهاجه ذات السياسات الشعبوية التي تتبناها ينجلاك حالياً. هذا علماً بأن الجيش الذي يتهم بالتدخل دائماً في الشؤون السياسية للبلاد، قام بـ18 انقلاباً ومحاولة انقلابية منذ عام 1932... لكنه أعلن يوم الاثنين الماضي قبوله بفوز المعارضة في الانتخابات البرلمانية، وأنه لن يتدخل لمنعها من الحكم، وذلك بعد خمس سنوات واجهت خلالها البلاد تحت سلطته مصاعب اقتصادية واضطرابات سياسية وأزمات خارجية آخرها الحرب مع الجارة كمبوديا. أما التحدي الثاني فهو الانشقاقات الحزبية والبرلمانية التي أضعفت حكومة ثاكسين. أما ينجلاك فعلاوة على أن حزبها فاز بـ265 مقعداً، فقد شكلت ائتلافاً من ستة أحزاب يملك290 مقعداً من أصل 500 مقعد في البرلمان. وبالتالي فستكون حكومتها بمنأى عن الاتهام بـ"الدكتاتورية البرلمانية" التي وجهت سابقاً لثاكسين حين حكم البلاد بحزبه منفرداً. ومع ذلك فربما كانت ينجلاك محقة حين قالت إنه "ما يزال هناك كثير من العمل في الانتظار، وإن أموراً أخرى يتعين القيام بها لتحقيق المصالحة"؛ وفي مقدمتها تحقيق آمال الطبقة المهمشة التي صوتت لها بكثافة، والبرهنة على استقلاليتها رداً للانتقادات التي رأت فيها مجرد "نسخة" من أخيها! فهل تتخطى تلك التحديات وتعبر بتايلاند من عصر المكرونة إلى ما بعده؟ محمد ولد المنى