منذ نجاح ولادة أول طفلة أنابيب عام 1978، ارتبط أسلوب التلقيح الخارجي كوسيلة لعلاج عقم الأزواج بالعديد من المعضلات الأخلاقية والدينية، كانت ولا زالت مثاراً للجدل والنقاش بين الأطباء وعلماء الدين وعامة الناس على حد سواء. وربما كان أهم هذه القضايا والمعضلات ذلك المتعلق بخلط الأجنة في المعامل وقت التحضير للتلقيح، وعلى رغم أن مثل هذا الخطأ نادر الحدوث، إلا أن تبعاته دائماً ما تكون جسيمة، وهذا ما دفع بعض الهيئات الصحية التنظيمية إلى التوصية بقيام شخصين مختلفين بالتأكيد على أصل العينة والاسم المدون عليها، عند كل خطوة من خطوات العلاج. بينما شرعت جهات أخرى في استخدام وسائل تكنولوجية حديثة، تمنع الخطأ البشري، وتوقف العملية برمتها عند وقوع مثل هذا الخطأ. وتمتد معضلات ومشاكل الإخصاب الخارجي لتشمل أيضاً الحمل بعد سن اليأس، لنساء في العقد الخامس والسادس من أعمارهن، وقضية الأرحام المستأجرة أو الحمل بالإنابة، الذي تؤجر فيه امرأة رحمها لحمل جنين لزوجين يمتلكان الخلايا الجنسية (الحيوانات المنوية والبويضات)، ولكن لا تستطيع الزوجة لسبب أو لآخر حمل الجنين في رحمها، حيث غالباً ما يكون قد تم استئصاله سابقاً نتيجة سرطان أو مرض عضال. ويزداد هذا الموقف تعقيداً عندما تقوم الأم بتأجير رحمها (بمقابل أو بدون مقابل) لابنتها، لتصبح حينها هي الأم والجدة في الوقت نفسه، وهو ما ينطبق أيضاً على تبرع الأب بحيوانات منوية لابنه. وفي الحالات التي لا يستطيع فيها أحد الزوجين أو كلاهما إنتاج الخلايا الجنسية يلجأ البعض إلى سوق الحيوانات المنوية والبويضات، ليحصل على طفل يشارك أحد الزوجين فقط في المادة الوراثية، أو حتى قد يكون مختلفاً تماماً عن كليهما، إذا ما تم شراء كل من الحيوان المنوي والبويضة. ويثير الإخصاب الخارجي بعداً دينيّاً خاصّاً، عندما يستخدم لإنجاب أطفال لأشخاص مثليين أو شواذ جنسيّاً، سواء من الرجال أو النساء. وعلى رغم أن الهيئات الصحية المنظمة لعلاج العقم في الدول الغربية لا تمنع أو تحظر هذا التطبيق للإخصاب الخارجي، بل أحياناً ما تعاقب الأطباء الذين يرفضون بسبب معتقداتهم الدينية إجراء مثل هذا العلاج لأشخاص مثليين، إلا أن جميع الديانات السماوية ترفضه وتعترض عليه بشدة، بناء على التحريم الشامل للعلاقات الجنسية الشاذة، كما أن بعض الخبراء يرون أن هؤلاء الأطفال يتعرضون لأذى نفسي وتمييز سلبي من أقرانهم ومن المجتمع برمته، نتيجة التركيبة غير الطبيعية لعائلاتهم. وهي المخاوف التي تمتد أيضاً إلى أطفال الآباء والأمهات غير المتزوجين، والذين لا يوجد لديهم أصلًا شريك شرعي أو غير شرعي، ويلجأون إلى بنوك الحيوانات المنوية أو بنوك البويضات للحصول على طفل. وعلى الصعيد الطبي، تتمركز مشاكل الإخصاب الخارجي حول خمسة محاور أساسية، هي: 1- التكلفة المرتفعة. 2- نسبة الفشل المرتفعة. 3- التسبب في حمل متعدد أو توائم. 4- مصير الأجنة الزائدة عن الحاجة. 5- فحص الأجنة قبل الحمل. فيما يتعلق بالمحور الأول، أي محور التكلفة، يتضح من حقيقة أن دورة العلاج الواحدة تتراوح تكلفتها ما بين 12 ألف دولار في الولايات المتحدة، إلى 7 آلاف يورو في الدول الأوروبية، وإذا ما حدث الحمل تزيد حينها التكلفة النهائية إلى حين الولادة عن الأربعين ألف دولار. وتتفاقم هذه التكلفة في ظل الحاجة، في كثير من الأحيان لعدة دورات من العلاج حتى حدوث الحمل، بحيث يكلف كل منها الآلاف من الدولارات و"اليورو". وكثيراً ما تلجأ مراكز الإخصاب إلى زراعة أكثر من جنين -تم تلقيحه خارجيّاً- في رحم الأم، لزيادة فرص نجاح العلاج. وعلى رغم أن هذه الطريقة تؤدي بالفعل إلى زيادة نسبة النجاح، إلا أنه كثيراً ما ينتج عنها أيضاً حمل متعدد، أو حمل توائم. وعلى عكس ما يعتقده كثيرون، يعتبر الحمل المتعدد -من المنظور الطبي- حملاً غير طبيعي، ويشكل خطرًا على حياة الأم وحياة أجنتها، وخصوصاً في الحالات التي يتم فيها الحمل بعدد كبير من الأجنة، كما حدث مع الأميركية نادية سليمان التي حملت بثمانية أجنة مرة واحدة. وقبل أن تتم زراعة الأجنة في رحم الأم يتم تخصيب عدد كبير من البويضات ليستخدم بعضها لاحقاً، بينما يظل مصير الأجنة التي لم تستخدم مشكلة أخلاقية ودينية، محل جدل وخلاف هي الأخرى، حيث يرى البعض أن الحياة تبدأ من اللحظة الأولى التي يخصب فيها الحيوان المنوي البويضة، لينتج جنيناً. وهو ما يعني في رأي هؤلاء أن التخلص من هذه الأجنة، سواء باستخدامها في الأبحاث الطبية أو بإلقائها في مكب النفايات البيولوجية، هو نوع من الإجهاض المقنع، غير القانوني، وغير الشرعي. وعلى أي أساس يتم اختيار بعض الأجنة للزراعة والتخلص من البقية الباقية؟ وما الدور الذي تلعبه الفحوص الوراثية، في اختيار الجنين الذي ستكتب له الحياة في رحم أمه، والجنين الذي سيؤول مصيرة إلى معامل الأبحاث ومكبات النفايات؟ وهل ستتم عملية الاختيار هذه على أسس طبية وصحية مجردة؟ أم أن النزوات والرغبات الشخصية سيكون لها دور مثل تفضيل الأبوين لجنس معين لطفلهما، أو للون الشعر أو لون العينين، وغيرها من الصفات المحبذة تبعا للثقافة السائدة، فيما يعرف بأطفال "الكتالوجات"؟ الراهن أن هذه الأسئلة، وغيرها كثير، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على ولادة "لويز براون" أول طفلة أنابيب في العالم، لم تجد بعد إجابة شافية، وهو ما يمنح مجال الإخصاب الخارجي حاليّاً لقب أكثر المجالات الطبية إثارة للجدل ولاختلاف الآراء، وأشدها إثارة للمشاكل والمعضلات الدينية والأخلاقية والطبية.