بعدما أنهيت دراستي، ونلت شهادة الدكتوراه في الصحافة خلال عام 2009، لم أستطع الحصول على عمل أكاديمي في الولايات المتحدة، فمن أصل عشرين طلباً تقدمت بهم لم أُستدع إلا لثلاث مقابلات وعرض واحد، وبينما كنت أهم بالسفر إلى ولاية ميسوري، بعدما اعتقدت أني حصلت على فرصة للعمل في جامعتها أُلغي العرض في آخر لحظة بسبب قرار الكونجرس المحلي للولاية بتجميد كافة التوظيفات للحد من عجز الموازنة، فكان العرض الحقيقي الوحيد الذي قبلته من خارج الولايات المتحدة، وتحديداً في الجامعة الأميركية بالقاهرة. والحقيقة أن العرض جاء مناسباً لي بالنظر إلى الفترة التي قضيتها في العالم العربي ودراستي للغة العربية، فضلاً عن أن موضوع البحث كان مرتبطاً بالشرق الأوسط، كما وسبق لي أن عشت مع زوجتي لبعض الوقت في الأردن، وبعد مرور عامين على تدريسي في القاهرة أشعر بأن المدة التي قضيتها في القاهرة كانت مفيدة بالنسبة لي. وأنا حالياً أستعد للعودة إلى الولايات المتحدة للتدريس بجامعة "ماين"، وأعتقد أن السبب الرئيس وراء استقطابي من قبل جامعة في منطقة ريفية بولاية "نيو إنجلاند" هو تجربتي خارج البلاد ورؤيتي العالمية التي أستطيع من خلالها إفادة الطلاب، ورغم المميزات الأخرى التي أحظى بها مثل شهادة الدكتوراه، وإتقاني للغة ثانية، فإني لست الوحيد من الأميركيين الذين يبجثون عن فرص في الخارج ويوسعون آفاقهم لتشمل العالم بأسره، ولعل ما يرشح هذا التوجه إلى الارتفاع في السنوات المقبلة هو النقص العالمي في المهارات الجيدة والتنافس بين دول العالم لاستقطاب أفضلها، وهو ما يؤهل الأميركيين أكثر من غيرهم للتنافس على الوظائف في الساحة الدولية. فقد بدأت بالفعل تظهر مشكلة نقص المهارات في بعض الأسواق ذات الرواتب العالية مثل ألمانيا واليابان والسويد مع احتمال تزايد هذا النقص في السنوات المقبلة، والسبب يعود حسب العديد من المراقبين إلى انخفاض الخصوبة في أكثر من 83 دولة حول العالم تأتي في مقدمتها الدول الصناعية، ومع انخفاض عدد السكان، فإنه يصعب تعويض العمال المهرة في المصانع، أو إيجاد الأطر المناسبة في باقي القطاعات. ومن بين كل تلك البلدان تبقى الولايات المتحدة الدولة المتقدمة الوحيدة التي ستشهد ارتفاعاً في عدد سكانها على مدى الأجيال الثلاثة القادمة؛ وفي كتابهما بعنوان "النفوذ" ترى كل من "مادي دايتشولد" و"كريتسين لارسون" أن "الحرب المستعرة لاستقطاب المهارات قد تمثل التغير الأهم في القوة خلال العقد القادم". لكن وقبل الدخول في هذا التحول العالمي يتعين على الأميركيين تغيير بعض قناعتهم السابقة والتأقلم مع الوضع الجديد، فقد دأب العمال الأميركيون على تفضيل العمل في ولاياتهم، وهم يعتقدون أنه ليس من حقهم فقط الحصول على رواتب الطبقة الوسطى بالنظر إلى سنوات طويلة من انخفاض معدل البطالة، بل يستحقون البقاء، حيث هم دون الحاجة للانتقال إلى أماكن أبعد، وهو ما دفع العديد من الأميركيين إلى ربط أنفسهم بمدن وأماكن معينة من خلال اقتناع المنازل والاقتراض من أجل ذلك. غير أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد الأميركي مشفوعة بأجواء الأزمة المخيمة على الجميع تفرض تفكيراً مغايراً بعدما لم يعد بمقدور الأميركيين الحصول بسهولة على وظائف داخل الولايات المتحدة وبات عليهم توسيع دائرة البحث لتشمل العالم كله. ومازال باستطاعة الأميركيين الحصول على وظائف في بلدان مختلفة بالنظر إلى مهاراتهم العالية سواء التقنية، أو غيرها وتوفر أميركا على تعليم متميز وعلى جامعات تخرج طلبة بمستوى عال. ومن بين هؤلاء الطلبة الذين أعرفهم صهري الذي تخرج في جامعة أميركية وحصل على عمل في مدينة "بوسان" بكوريا الجنوبية مدرساً للغة الإنجليزية، ومع أن مهاراته عالية لكنه وكأي خريج جديد من الجامعة لا يملك من الخبرة إلا ما يملكه شاب لم يتجاوز الحادي والعشرين من عمره. ومع ذلك استطاع بالمثابرة وتوسيع خيارته لتمتد إلى العالم الحصول على وظيفته الأولى في كوريا الجنوبية. ويُشار إلى أنه ما لا يقل عن خمسة ملايين أميركي من غير العسكريين يعملون خارج البلاد في الوقت الراهن، وهو أمر لا تقتصر فائدته على العائد المادي والاستقرار النفسي، الذي توفره الوظيفة، بل هو أيضاً استثمار في المستقبل من خلال تعلم لغات أجنبية واكتساب خبرات ذات بعد عالمي، وقد يتمكن الأميركيون من تأمين وظائف داخل البلاد لكن ذلك لن يؤهلهم لولوج الاقتصاد المعولم الذي يحتاج إلى خبرات عالمية، ومع أن الوظائف التي سيحصل عليها الأميركيون في الخارج قد لا توفر نفس الرواتب العالية، إلا أنها خطوة أولى بالنسبة للخريجين الجدد الباحثين عن التجربة وشحذ خبراتهم العملية والحياتية. ------ جوستين مارتن أستاذ الصحافة جامعة "ماين" الأميركية ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"