في كلمة لها أثناء مؤتمر عقد في فيلنيوس- ليتوانيا الأسبوع الماضي، حددت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون معالم طريق المستقبل الذي يمكن لدول العالم العربي أن تسير فيه، إذا ما أرادت التحول إلى مجتمعات حرة. وأشارت "كلينتون" في هذا الصدد إلى تونس ومصر، كما أشارت أيضاً إلى سوريا، ولكن كي تشجب آخر مستجدات العنف هناك. بيد أن الدولة التي كان غيابها عن كلمة وزيرة الخارجية الأميركية ملحوظاً هي ليبيا، التي لم تشر إليها بكلمة. وبما أن مداخلة "كلينتون" كانت تتعلق بطريق المستقبل، والتحول الديمقراطي، فإن المرء يمكن أن يستخلص أن غياب ليبيا سببه صعوبة تكوين رؤية واضحة عن طريق المستقبل هناك، وعن مستقبل الديمقراطية في ذلك البلد. ولعل رؤية طريق المستقبل في ليبيا قد تشوشت جراء عدد من العوامل: في البداية، كانت هناك مظاهرات شوارع استمدت إلهامها مما حدث في تونس ومصر، ودعت مثلهما إلى التغيير والإصلاح. ولكن بدلاً من الاعتراف بمشروعية طموحات الشعب للحرية والحقوق الديمقراطية استجاب نظام القذافي بأنواع من العنف الوحشي الذي صدم ضمير شعوب العالم كله وحرك المجتمع الدولي، وفتح الباب أمام التدخل الأجنبي تحت غطاء التدخل الإنساني لإنقاذ السكان المدنيين الذين يتعرضون للهجوم. بيد أنه ربما ينبغي القول مع ذلك إن ما تطلق عليه وسائل الإعلام " المعارضة الليبية" يفتقر إلى التماسك ووضوح الهدف، ووجود برنامج للمستقبل. كما قد يفتقر أيضاً إلى التصميم الذي أجج الحماس الثوري في تونس ومصر، وأكسب مطالبهما خصوصيتها الفريدة. ويرى بعض منتقدي المعارضة الليبية أنها تبدو وتتصرف كحركة انفصالية منخرطة في مناوشات وحرب أهلية مع الحكومة المركزية، أكثر من كونها حركة معارضة متحدة ومنظمة. وقد ساهم كل من نظام القذافي والحكومات الغربية التي دشنت حملة القصف في ليبيا في تراجع فرص ما كان يمكن أن يتطور ليصبح بمثابة حركة للإصلاح الديمقراطي، فتحول الموقف إلى ما يشبه حرباً أهلية لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وقد أكدت الاستجابة الوحشية من قبل نظام القذافي لمطالب الإصلاح والديمقراطية الطبيعة السلطوية لذلك النظام وقسوته الدموية الحمقاء، وأفقدته الشرعية أمام شعوب العالم، ما دفع المجتمع الدولي للتدخل العسكري، الذي ألحق المزيد من الخسائر بالشعب الليبي. ومنذ البداية كان واضحاً أن حملة "الناتو" الجوية، لم تكن متناسبة مع الغرض الذي كان قادة الحلف قد أعلنوه: وهو فرض منطقة حظر طيران لحماية المدنيين الليبيين من قصف طائرات القذافي. فحماية المدنيين ربما كانت تتطلب أيضاً الدخول في مفاوضات مع نظام القذافي، ونشر قوات حفظ سلام في الأراضي الليبية لتحقيق ذلك الغرض. ولكن نظراً إلى أن أيّاً من دول "الناتو" لم يكن لديها الاستعداد لإرسال قوات برية، فإنها قررت تحقيق ذلك من خلال تحييد آلة القذافي العسكرية، وتغيير النظام. يشار في هذا الصدد إلى أن عضو الكونجرس "مايك تيرنر" قد قال إن قائد قيادة العمليات المشتركة لـ"الناتو" الأدميرال "صامويل لوكلير" قد أخبره بأن قوات "الناتو" تسعى جاهدة للتخلص من القذافي، على رغم إنكار إدارة أوباما أنها كانت تسعى لـ "تغيير النظام" في ليبيا، لأن تفويض مجلس الأمن الدولي لا يتضمن ذلك. ومن ناحية أخرى كانت هناك تساؤلات بشأن التزام المعارضة الليبية مستقبلاً بالحكم الديمقراطي. وهنا يقول "ديفيد كيركباتريك" الصحفي في "نيويورك تايمز" الذي كان من ضمن ما كتبه في عموده في الصحيفة: "إن المتمردين لا يشعرون بأي التزام بالحقيقة، فيما يتعلق بصياغة حملتهم الدعائية، حيث يعلنون عن انتصارات وهمية كما يضخمون أحياناً إلى حد كبير من سلوك قوات القذافي الذي يصفونه بالبربري". لاحظ هنا كيف أن الكاتب قد استخدم كلمة "متمردين" ولم يقل "معارضة"، كما لم يقل "الثوار" كما كان الحال في تونس ومصر، وهو ما يعطي فكرة عن الانطباع السائد في بعض وسائل الإعلام الغربية عن كون المواجهة مع قوات القذافي حرباً ذات طبيعة قبلية في الأساس أكثر من كونها أي شيء آخر. بعد وقوف قادة دول "الناتو" إلى جانب الثوار الليبيين مع أن احتمالات اعتمادهم للديمقراطية تبدو غير معروفة، وسعيهم الدؤوب لتغيير النظام، والتخلص من القذافي.. هناك سؤال مطروح هو: ما الذي تحقق بعد 12 ألف طلعة ضد 2500 هدف، وما الذي لم يتحقق؟ ما يمكن أن يقال هنا هو أن سلوك حكومات "الناتو" ما زال يسير في اتجاه خيارات القوة فقط: تصعيد الأمور إلى حدها الأقصى واستبعاد أي حل سياسي من خلال التفاوض. وحكومات "الناتو" بمسارعتها بإحالة القضية للمحكمة الجنائية الدولية واستصدار قرار بالقبض على القذافي ومحاكمته، قد ترفع بذلك، من حيث لم ترد، من مستوى المخاطر في الأزمة الليبية. فالشيء المحتم حدوثه بعد ذلك كله هو أن يتوصل القذافي إلى خلاصة مؤداها أن الخيار الوحيد المطروح أمامه ليس أن يذهب، بل أن يبقى ليقاتل حتى النهاية. وحتى إذا ما كان السيناريو الأخير مقبولًا للثوار أو للقذافي، فهل سيكون مقبولاً لـ"الناتو"؟ إن الإحراج الذي سيواجه الحلف، لن يماثله في هذه الحالة سوى فقدان المهابة التي سيعاني منه أوباما، الذي طلب من زعيم دولة صغيرة، غريب الأطوار، بلهجة آمرة أن يذهب فلم ينفذ أوامره، بل تحداه وبقي معانداً في موقعه. وفي كلتا الحالتين فإن الطريق للديمقراطية بات طويلاً وشاقاً، ذلك لأن إنقاذ الناس يستدعي أولاً اتباع الاستراتيجية الإنسانية الفعالة من البداية.