من الصعب عدم التعرض لموضوع مرض السكري بين الحين والآخر في ظل العدد الهائل من المصابين حول العالم، وما يصابون به من مضاعفات صحية خطيرة، تثقل كاهل نظم الرعاية الصحية في مختلف الدول بنفقات تتخطى مئات المليارات من الدولارات لعلاج هذا المرض، ولعلاج المضاعفات التي تنتج عنه. وعدد المصابين هذا، بناء على دراسة نشرت الأسبوع الماضي في إحدى أشهر الدوريات الطبية في العالم (Lancet)، وأجراها فريق مشترك من علماء جامعة هارفرد الأميركية وعلماء "إمبريال كولدج" البريطانية، قد تضاعف منذ عام 1980، ليزداد من 153 مليون مصاب إلى 347 مليون مصاب حاليّاً. وعلى صعيد النفقات تشير الإحصائيات إلى أن تكلفة ما ينفقه العالم على أدوية مرضى السكري يقارب حاليّاً 22 مليار دولار، مع التوقع أيضاً بأن يزداد هذا الرقم إلى 30 ملياراً بحلول عام 2015، أي بعد أربع سنوات فقط. والمؤسف أن هذه الزيادة في أعداد المصابين وما يتطلبونه من نفقات رعاية صحية، شملت جميع دول العالم دون استثناء، حيث شهدت معظم الدول زيادة واضحة، وفي قلة قليلة منها حافظ عدد المصابين على مستواه دون زيادة ملحوظة. وهذه المليارات الثلاثون هي تكلفة الأدوية والعقاقير فقط، أما حجم التكلفة الإجمالية لرعاية مرضى السكري فيظهر حجمه من تقدير أحد المراكز القومية الأميركية المتخصصة في جمع ونشر المعلومات عن السكري (The National Diabetes Information Clearinghouse)، بأن تكلفة علاج هذا المرض في الولايات المتحدة وحدها، تزيد عن 132 مليار دولار سنويّاً. وهذا الرقم على ضخامته، يبدو شديد التحفظ في ظل الدراسات الأكثر حداثة في هذا الموضوع، فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة أجرتها الجمعية الأميركية لمرض السكري (American Diabetes Association)، أن تكلفة السكري في الولايات المتحدة تزيد سنويّاً عن 218 مليار دولار. وهذا الفرق في تقدير التكلفة ربما يعود إلى أن الدراسة الأخيرة أخذت في الاعتبار الفئات الثلاث لتكلفة علاج السكري، وهي التكلفة المباشرة المتمثلة في الحبوب والإنسولين والفحوص الدورية وغيرها، والتكلفة غير المباشرة المتمثلة في علاج مضاعفات السكري مثل الفشل الكلوي، والعين السكرية، والقدم السكرية، وغير ذلك. وفي النهاية هناك أيضاً التكلفة الناتجة عن خسارة أيام العمل، وتراجع الإنتاجية، وخسارة رأس المال البشري بسبب الوفيات المبكرة. وتعتبر زيادة الوزن والسمنة، والتاريخ العائلي للإصابة بالمرض (الوراثة)، والأصول الإفريقية أو الجنوب آسيوية، وتخطي سن الأربعين، هي أهم عوامل الخطر خلف الإصابة بالنوع الثاني من السكري، وهو النوع الأكثر انتشاراً. وإن كانت زيادة الوزن والسمنة -نمط الحياة غير الصحي بوجه عام- تعتبر من أخطرها، حيث ظهر أن الأشخاص الذين يمارسون الرياضة والنشاط البدني، ويتناولون غذاء صحيّاً متوازناً، ولا يدخنون، تنخفض معدلات الإصابة لديهم بنسبة 82 في المئة، وعند تمتع هؤلاء بوزن طبيعي تنخفض حينها احتمالات الإصابة بنسبة 89 في المئة، وهو ما يعني وقاية شبه كاملة تقريباً. والغريب أن زيادة الوزن والسمنة تساهم وحدها بـ55 في المئة من حالات الإصابة بالسكري. وبخلاف الوزن الطبيعي، يُعرف الغذاء الصحي المتوازن على أنه الغذاء المحتوي على كميات كبيرة من الألياف، ونسبة مرتفعة من الدهون غير المشبعة المتعددة مقارنة بنسبة الدهون المشبعة، بالإضافة إلى نسبة منخفضة من "مؤشر التسكر" (Glycemic Index)، الذي يشير إلى السرعة والمقدار اللذين يتحول بهما الطعام الذي نتناوله إلى سكر في الدم، أو بمعنى آخر هو مؤشر لمدى ارتفاع الجلوكوز في الدم، بعد تناول طعام يحتوي على الكربوهيدرات. وفي الآونة الأخيرة زاد إدراك المجتمع الطبي للدور الذي تلعبه زيادة الوزن والسمنة، وما يصاحبهما من شحوم ودهون تملأ تجاويف وثنايا الجسد، في الإصابة والوقاية من السكري، وربما حتى الشفاء منه، ففي نهاية الشهر الماضي نشر علماء جامعة "نيوكاسل" البريطانية نتائج تجربة مثيرة، أظهرت أن اتباع نظام غذائي قاس جدّاً، يمنح الجسم 600 سعرة حرارية فقط، أي أقل من ربع السعرات الحرارية التي يحتاجها الجسم في الأحوال الطبيعية والبالغة 2500 بالنسبة للرجال، ولمدة ثمانية أسابيع، يمكنه تحقيق الشفاء من السكري لمن تم تشخيص إصابتهم حديثاً بالمرض. ومن خلال إخضاع 11 شخصاً لهذا النظام الغذائي العنيف، تخلص سبعة منهم من مرضهم في غضون ثلاثة أشهر. ويعتقد العلماء أن هذه النتيجة هي بسبب الخفض الحاد في مستويات الدهون في الكبد والبنكرياس، مما ساعد على استعادة مستويات هرمون الإنسولين في الجسم، بالإضافة إلى استعادة حساسية الخلايا لهذا الهرمون المهم في عملية تنظيم مستوى السكر في الدم. وهو ما يعزز النظرية التي تطرح فكرة أن الأنسجة الدهنية -وخصوصاً تلك الموجودة في البطن وحول الأعضاء الداخلية- تقوم بإفراز رسائل كيميائية في شكل مواد خاصة وهرمونات، تخفض من كفاءة عمل البنكرياس، وتزيد من مقاومة الخلايا لتأثير هرمون الإنسولين، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم. وهو ما يعني أنه يمكن النظر إلى دهون البطن (الكرش) على أنها عضو إضافي يخل بالعمليات الحيوية الداخلية، ويكافح امتصاص الجلوكوز من الدم إلى داخل الخلايا، ويبقيه في مجرى الدم بنسبة مرتفعة، وهي الصفة المميزة لمرض السكري.