يدور جدل في الولايات المتحدة حول قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من أفغانستان، حيث يرى الحزب الديموقراطي الحاكم ضرورة الانسحاب بأسرع وقت ممكن وعلى نطاق واسع، بينما يحذر قادة الحزب الجمهوري، ومعهم بعض العسكريين، من خطورة الانسحاب لأنه سيعرض المكاسب المحققة للخطر. المعارضون للانسحاب الأميركي يرون أن حركة "طالبان" ستعيد السيطرة على الحكم في ظل غياب الوجود العسكري الأميركي وقوات حلف "الناتو". المؤيدون للانسحاب يرددون بأن حركة "طالبان" قد تستطيع فرض سيطرتها على أجزاء محددة من أفغانستان، خصوصاً في الجنوب الذي تغْلب عليه عرقية البشتون، لكن الحركة لن تستطيع السيطرة على المناطق الشمالية. المعارضون للانسحاب يرون بأن "طالبان" التي تحالفت وتتحالف مع "القاعدة"، ستدعم أكثر بعد الانسحاب الأميركي، بينما يرى المؤيدون للانسحاب أن قادة "طالبان" إذا استولوا على الحكم مرة أخرى فلن يفرطوا في سلطتهم بالدخول في مغامرة جديدة بدعم "القاعدة"، لأن هؤلاء القادة يعون تماماً قوة الولايات المتحدة ومقدرتها الجبّارة على العودة مرة أخرى في حالة تعرض "طالبان" أو "القاعدة" للأمن الأميركي الداخلي. كان السبب الرئيسي لدخول القوات الأميركية لأفغانستان هو تعقب بن لادن وقتل أعضاء تنظيمه انتقاماً لعمليات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، لذا ليس ثمة سبب مقنع للبقاء الأميركي في أفغانستان. وبمقتل بن لادن تراجعت قوة "القاعدة"، كما أن استلام الظواهري قيادة التنظيم بعد موت بن لادن بفترة طويلة نسبياً (ستة أسابيع) يدل على وجود خلافات داخل "القاعدة". لقد حقق الأميركيون مهمتهم في أفغانستان بإطاحة نظام "طالبان" عام 2001 وقتل بن لادن عام 2011، لكن هدف واشنطن في بناء دولة أفغانية ديموقراطية حديثة قد فشل، وذلك لطبيعة الشعب الأفغاني القبلية وتفشي الفساد والرشوة في أوساط الحكومة. لذلك حسناً فعلت الولايات المتحدة بانسحابها من أفغانستان، فهذا الشعب لديه خلافات قبلية ومناطقية ومذهبية كثيرة... ومن الصعب على الولايات المتحدة ودول الغرب بناء دولة ديموقراطية تستطيع الصمود والاستمرار. وربما نجحت واشنطن مؤقتاً في الحد من انتشار الإرهابيين باعتقالهم أو قتلهم، لكن لا أحد يستطيع محو أو قتل الثقافة التي أنتجت الإرهابيين. فترك أفغانستان لأهلها لحل مشاكلهم بالطريقة التي تعودوا عليها هو أفضل لهم. فالولايات المتحدة دولة ديموقراطية قوية يمكن أن تلعب دوراً أفضل في تعزيز الديموقراطية والحرية والاقتصاد الحر في الدول التي تطمح شعوبها لدخول معسكر الحرية والديموقراطية. ماذا يعني الانسحاب الأميركي من أفغانستان للدول العربية عامة والخليجية خاصة؟ من الصعب على تنظيم "القاعدة" أن يستأنف نشر أفكاره الإرهابية في الوطن العربي اليوم، وذلك بسبب الثورات العربية التي عززت المفاهيم والحريات الديموقراطية وسمحت لمختلف القوى السياسية بالعمل المفتوح والعلني. لذلك لا مجال للأفكار المتطرفة إلا في دول تمنع الحوار الحر المفتوح حول الحريات والتعددية الفكرية والسياسية. د. شملان يوسف العيسى