لا يمكن لعربي يتحلى بالإنصاف إلا أن يرفع قبعته لتحية الغرب على اختراع أبنائه الكهرباء والتلفزيون والإنترنت والطائرة وغيرها، كما لا يمكن لومه حين ينكس رأسه لأن أبناء جلدته لم يساهموا في صنع الحضارة الحديثة اللهم إلا بعض العقول العربية التي هاجرت إلى الغرب وبرعت بفضل الفرص التي تتاح هناك للاستفادة من العقول. لكن هل هذا "الفضل" ينسحب على جميع حقول الإنتاج؟ هل يمكن القول إن الروائي الغربي أفضل من نظيره العربي لمجرد أنه أشقر؟ هل يجوز أن نضع الأدب الغربي جنباً إلى جنب العلم الغربي، والتقدّم الغربي؟ نحن نقدّر العقول العربية المهاجرة ونقول ساخرين من أنفسنا: لو بقي هؤلاء في بلادنا لكانوا الآن يبيعون "الفلافل"، ونعتقد أن الأمور تجري على هذا النحو في الأدب، وهذا غير صحيح، ذلك أن العالِم لا يمكنه أن ينجح إلا في ظل بيئة تتوفر فيها الإمكانيات والفرص، بينما الأديب لا يحتاج إلى مثل تلك البيئة، ويمكن أن يبدع ولو هُضم حقه، كما أن الحرية ليست شرطاً جوهرياً، بدليل أن الأدباء الروس وأدباء أميركا اللاتينية كتبوا أجمل الروايات والأعمال في أجواء الظلم والطغيان والمعاناة، وهي أجواء، من حسن حظ الأدباء العرب، أنهم يعيشونها. لكن للأسف، هناك أعداد متزايدة من القرّاء العرب يهجرون الأدب العربي لصالح الأدب الغربي، ولا ترفع القبعة للأديب العربي إلا حين يرفع الغرب القبعة له، ويكفي أن يلتفت أي ناقد غربي لأديب عربي حتى تتسابق الأيدي لاقتناء كتبه التي كانت تنام على رفوف المكتبات سنوات، وربما كان هذا سبب لجوء بعض الأدباء العرب إلى الكتابة بغير العربية، أو الانشغال بترجمة ما يكتبون، ليطّلع عليه الغربيون ويمنحوه صكّ الإبداع، ليرفع الصك بعد ذلك في وجه مجتمعه. وربما يكون لـ"نوبل" الآداب دور في هذا الوضع، فهذه الجائزة لم تدخل الخزائن العربية إلا مرة واحدة، ويتساءل الكاتب محمد غباش في مقال له: "هل علينا أن ننتظر نوبل لنقدّر أدبنا؟"، ثم يدعونا بـ"ألا نقع في الوهم المدمّر الذي يبخس أدبنا فقط لأننا لم نحز إلا جائزة واحدة". ويرى الكاتب أنه رغم أهمية "نوبل"، فإن عدم وصول أدبائنا إلى العالمية لا يخلو من ميزة، وهي "عدم ارتهان كتّابنا لقوى السوق والخضوع لمنطق تلبية رغبات الجمهور العريض... وهي حال يحسدنا عليها أدباء غربيون ذوو مواهب عظيمة، أجهضت في المهد لأن السوق أرغمهم على بيع أرواحهم لمنفستو شيطان المال"، ولهذا السبب بالذات أصبحنا نمتلك أدباً رفيعاً. وأنه رغم المشكلات الكثيرة التي يعانيها الأدب العربي فإنه لا يعاني الجدب الفني، فـ"أدبنا لا يزال خصباً تجريبياً شديد التنوّع بسبب فرديته، محملاً بخبرات معيشية وتاريخية كثيفة يندر أن نراها في مجتمعات أخرى". وسُئل المستعرب الصيني "تشونغ جي كون" عن سبب عدم فوز أي أديب عربي بجائزة نوبل بعد نجيب محفوظ، فقال إن الكثير من الأدباء العرب يستحقون هذه الجائزة، سواء قبل أو بعد محفوظ، "فالأدب العربي الحديث ليس أقل شأناً من الأدب الغربي وليس أقل من الانفتاح الأدبي في أميركا اللاتينية، لكن هناك معايير واتجاهات سياسية لجائزة نوبل". ومن يطالع في قوائم الحاصلين على "نوبل" سترتفع حواجبه دهشة، فأدب ضخم كالأدب الهندي لم يحصد إلا جائزة واحدة ذهبت للشاعر طاغور، والأدب الصيني لم يحصل على أي جائزة طوال أكثر من قرن من الزمان، ولم تخرج "نوبل" من الدول الغربية سوى 17 من أصل 108 جوائز. لكن لا يزال هناك ضوء في نهاية النفق ويتمثّل في الجوائز التي أطلقتها مؤسسات إماراتية، كجائزة "بوكر العربية" المخصصة للأعمال الروائية، وجائزة "أمير الشعراء" المخصصة للإنتاج الشعري، بالإضافة إلى "جائزة زايد للكتاب"، فهذه الجوائز استطاعت بمصداقيتها وقيمتها المرتفعة إعادة بعض الاعتبار للأدب العربي في عيون أبنائه.