يقال إن أحد رؤساء دول العالم الثالث سأل أتباعه: ما هو العلم الذي لا ينفع ولا يضر العلمُ أو الجهل به؟ فلم يعرفوا الإجابة. فقال لهم: العلم الذي يسمى "علوم سياسية"!
أورد هذه الطرفة المؤلمة المنقولة عن وكالة "يقولون" العربية، وأنا أرى جامعات خاصة تنبت كالفطر في بلدان الخليج وكلها يرفض وجود قسم للعلوم السياسية، دع عنك خلو معظم الجامعات الخليجية من هذا القسم. وإذا ما تركنا حجة عدم وجود وظائف لخريجي العلوم السياسية، وخاصة أن المقبولين في وزارة الخارجية معظمهم ممن تعينوا بالواسطة بسبب امتيازاتها الوظيفية، فضلاً عن أن العاملين في السفارات لا عمل حقيقي لديهم سوى حضور الاحتفالات بسبب ضعف الدور السياسي الخارجي للدول التي يمثلونها، فإن الحقيقة هي أن قسم العلوم السياسية قسم يسبب الصداع للنظام السياسي بسبب ما يتلقاه الطلبة من مختلف الأفكار الكاشفة لعيوب النظام السياسي فضلاً عن "طول لسان" أساتذة هذا القسم، أو بعضهم تجاه النظام السياسي. وبسبب هذا القصور السلبي لدى الأنظمة السياسية، إضافة إلى أن انعدام أو ضعف الحرية الفكرية في العالم الثالث يجعل من الطالب في هذا القسم عرضة للتشويش الفكري نظراً لاختلاف الواقع عن مثاليات الدرس، وخاصة أن في بلاد العالم الثالث يمكن لحارس مدرسة أن يصبح نائبا في البرلمان لأسباب طائفية أو قبلية أو عشوائية. فالناخب العربي غالباً ما يبيع أو يضيّع صوته طمعاً أو جهلاً.
المهم أن هذا العلم الذي يرفض الكثيرون تسميته "علماً"، علم مكروه لدى الأنظمة السياسية. لكن في حقيقة الأمر أن هذا العلم لا يصلح لأمة "العربان"، والسبب أن تراث هذه الأمة خالٍ وفارغ، من ألف باء هذا العلم القيّم الذي لم يظهر إلا على يد أهل العقل، أقصد بهم الإغريق أو اليونان الذين كتبوا في السياسة منذ القرن الخامس قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، في حين أن أمة العربان عاجزة إلى اليوم عن كتابة كتاب في "مقدمة العلوم السياسية"!
علم السياسة لمن لا يعلم، علم عظيم لمن يفهمه ويعمل به، لكن مشكلته أن العمل به يحتاج إلى ما لا تملكه أمة العربان: الحرية الفكرية. فالحرية عند أنظمة العالم الثالث شيء خطر، لا يُنصح بالاقتراب منه، بل إنه يضر أحياناً بصحة الإنسان. فالمطالب بالحرية والديمقراطية يتعرض لمطاردة أجهزة الأمن، وربما يسجن، وربما يطرد من عمله بتهمة العمل ضد النظام، خاصة إذا ما تأدلج (أي أصبح منتمياً إلى حزب) هذا المؤمن بالحرية. وعلم السياسة يعلم دارسه أن السياسة هي حياة الإنسان، حتى قال الفلاسفة: "الإنسان حيوان سياسي"، وهذا يفسر خوض كل الناس، عالِمهم وجاهلهم على حد سواء، في السياسة، وكل واحد لديه "رأي" في مختلف الأوضاع. وأمة بنو يعرب ترى في السياسة، السوس أي الإدارة لغة، وليس العلم، ولذلك ترى الحاكم يحكم على كيفه، فهو الذي يضع القانون، وهو وحده الذي يعزف عليه، وعلى البقية أن ترقص على إيقاع هذا العزف. وهذا ما لا يصح في علم السياسة الذي يعلن أهمية المساواة بين الحاكم والمحكوم. للأسف أن ينظر إلى هذا العلم المهم واللازم لتطور ورقي الشعوب حضارياً هذه النظرة، لكن في عالمنا العربي المتخلف- الذي لا مجال فيه لقيام الشخصية الإنسانية بمفردها بل لابد من ارتباطها بالقبلية والطائفة- لا يمكن أن نفهم القيمة الحضارية لهذا العلم.