لاشك أن اختيار الليدي "آشتون"، الرئيسة السابقة لمجلس اللوردات البريطاني، لشغل منصب الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية في الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2009، قد مثل مفاجأة كبرى. قبل ذلك لم تكن آشتون قد انتخبت بواسطة أي قاعدة جماهيرية عريضة، كما لم يعرف عنها أي اهتمام غير عادي بالشؤون الخارجية. فخلال الفترة 1977 ـ 1997 شغلت منصب السكرتيرة الإدارية لحملة نزع الأسلحة النووية في بريطانيا، وقبل ذلك كانت قد بدأت حياتها العامة كرئيسة لهيئة صحية مغمورة، علاوة على أنها لا تجيد أي لغة أخرى غير لغتها الأم الإنجليزية. وأستطيع أن أزعم أن تعيين آشتون كأول مسؤولة للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، رغم أنها لم تكن معروفة سوى للقليلين خارج بريطانيا، ولم تكن معروفة جيداً بداخلها، قد حدث بسبب افتقاد الشجاعة عند قمة الاتحاد الأوروبي. فالموجودون عند تلك القمة كانوا يخشون أن يؤدي انتخاب شخص معروف أكثر، ومؤهل أكثر، وذي شخصية أقوى، إلى وضع يصبح فيه مثل هذا الشخص قوياً أكثر مما ينبغي عند اضطلاعه بصلاحياته الوظيفية. ومن المعروف أن رئيس الوزراء البريطاني السابق، "براون"، هو الذي ساعد آشتون في الحصول على المنصب بعد بعض المساومات الصعبة، ومساعدة فعالة من قبل زملائه في اليسار الأوروبي. ونظراً لأنه كان يُنظر إليها على أنها سياسية خفيفة الوزن، تفتقر إلى الخبرة الكافية، فقد كان متوقعاً أن تكون سنتها الأولى في المنصب محفوفة بالعديد من الصعاب. لكن أداءها الهادئ وأسلوبها السلس في التعامل، ساعداها على اجتياز الاختبار إلى حد كبير. ليس هذا فحسب، بل أن آشتون تمكنت خلال العام الأول لها في المنصب من إقامة علاقة عمل جيدة مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري. وفي سبتمبر الماضي، دشن الاتحاد الأوروبي خدمة دبلوماسية جديدة بميزانية مقدارها ستة مليارات دولار. وقبل تدشين هذه الخدمة كان الاتحاد الأوروبي يدير، كما هو معروف، مكاتب في 120 دولة تقريباً، مهمتها رصد ومتابعة الشؤون المتعلقة بالتجارة والمساعدات. وفي شهر مايو الماضي، أصدر ويليام هيج، وزير الخارجية البريطاني، تعليمات لسفراء المملكة المتحدة بالعمل على صد ما يرى أنه محاولات تعدي من جانب الجهاز الجديد لآشتون على اختصاصاتهم. ولمواجهة ذلك، عمل هيج على تحويل انتقاده للاتحاد إلى علامة مميزة لحزب المحافظين من جهة، ومن جهة أخرى، ونظراً لكون حزبه شريكاً في حكومة الائتلاف البريطانية الحالية مع حزب الديمقراطيين الأحرار، فقد عمل هيج على الاحتفاظ بعلاقات أكثر ودية وإيجابية مع الاتحاد الأوروبي مما يستدعيه الأمر، وهو ما أثار ضيق وانزعاج العديد من أعضاء البرلمان المحافظين الذين كانوا قد انتخبوا من قبل على قوائم انتخابية مناوئة لأوروبا. ويشار إلى أنه قد طُلب من مكتب هيج إجراء تخفيضات على ميزانية وزارته في حدود 17 في المئة بغرض توفير 300 مليون جنيه استرليني. ومن المعروف كذلك أن هناك قرارات صعبة يتعين اتخاذها في لندن، لاسيما أن العاملين في "جهاز العمل الخارجي الأوروبي" سيبلغ عددهم نحو 5790 موظفاً، كما ستبلغ الميزانية التشغيلية لذلك الجهاز 400 مليون جنيه استرليني. ومن المعروف أن "ديفيد ليدينجتون" يخدم تحت قيادة هيج كوزير للشؤون الأوروبية. وفي الثالث والعشرين من مايو قدم "ليدينجتون" إيجازاً صحفياً في بروكسل قال فيه: "نحن نرى بعض الأدلة على قيام وفود الاتحاد الأوروبي بمحاولات، في أجزاء معينة من العالم، للدفع نحو تعزيز الدور القيادي للاتحاد الأوروبي. وقد أرسل وزير الخارجية تعليمات لأصحاب المناصب الرسمية في جميع أنحاء العالم بأن يكونوا على حذر من محاولات تمديد نطاق الصلاحيات الأوروبية... ومن هذه المحاولات، على سبيل المثال، قيام مندوبي الاتحاد الأوروبي بالتأكيد على أنهم يملكون الحق في التحدث باسم الدول الأعضاء. كما أن هناك في الوقت الراهن ضغطاً من بعض الجهات داخل منظومة الاتحاد الأوروبي لتوسيع صلاحياتها، ونحن حريصون جداً على التأكد من أن تلك المحاولات سوف يتم التصدي لها، وأنه سيتم رسم خطوط واضحة تحدد كافة الصلاحيات بدقة". ورغم أن الاثنين قد اصطدما، فإن حكومة المحافظين قبلت بحقيقة أنه عليها التعامل مع آشتون كمسؤولة عن السياسة الخارجية الأوروبية. ورغم أن حزب المحافظين عارض فكرة إنشاء جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، قبل الانتخابات العامة، فإن ما حدث في الواقع هو أن سياسياً ألمانياً كبيراً قد انضم لمنتقدي آشتون، هو "فويلفجانج شوبله"، وزير المالية الذي تحدث بوضوح عن فشل آشتون في إحداث تأثير على الربيع العربي. وألمح إلى أنها لا تمتلك السلطة التي تمكنها من إظهار صورة أوروبا الحقيقية، باعتبارها فاعلاً رئيسياً على الساحة العالمية. ليس هذا فحسب بل أن "المار بروك"، عضو البرلمان الألماني عن حزب ميركل، أدلى بتصريح قال فيه إنه يتعين على آشتون إثبات جدارتها بالمنصب قبل أن يحل الخريف المقبل. ويشار في هذا السياق إلى أن اتفاقية لشبونة تنص على أن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي يعين في منصبه لمدة خمس سنوات، غير أن هذه الاتفاقية تتضمن بنداً يشترط إجراء مراجعة أداء منتصف الخدمة لشاغل منصب رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي ( يشغله حالياً "هرمان فان رومباي").كما تنص تلك الاتفاقية كذلك على أنه يمكن إقالة الممثل الأعلى للسياسة الخارجية من منصبه في أي وقت من خلال أغلبية كافية من الدول الأعضاء، وبموافقة رئيس المفوضية الأوروبية "خوسيه مانويل باروسو". لا يزال من المبكر للغاية التنبؤ بما سيؤول إليه أمر آشتون في الخريف المقبل، لكن رأيي الشخصي أنها لم تكن مؤهلة لشغل هذه الوظيفة الأوروبية المرموقة من الأساس، وبالتالي يجب إعفاؤها. ليس من شك أن آشتون ومؤيديها سوف يدعون أنها واقعة في الوقت الراهن في مرمى النيران بين المملكة المتحدة وفرنسا اللتين تريدان انتهاج خط صارم بشأن ليبيا، وبين ألمانيا التي لا تريد ذلك. فمن المعروف أن دول الاتحاد الأوروبي القوية تريد إدارة سياساتها الخارجية بنفسها، وبقدر استطاعتها، في حين أن الدول الأضعف تريد أن يكون لأوروبا دور أكبر.