كان الغرب يخاف الحركات الإسلامية الراديكالية ويتحسب لإمكانية استيلائها على الحكم في بعض البلاد العربية، كونها حركات منظمة ولها شبكاتها الاجتماعية. واليوم يفاجَأ العالمُ بانتفاضات عربية مازال تفسيرها يشوبه الغموض، وما يهمنا أن هناك حركات اجتماعية على أرض الواقع لا ترتبط بالحركات السياسية العربية التقليدية، وهي تعبر عن تحولات اجتماعية أو بالأحرى هي تحديات تحتاج إلى التفكير حول ما سيحدث في البلاد العربية. التناقض الكبير الذي وقعت فيه بعض الأنظمة العربية يتجسد في تعاملها المنفتح مع العولمة، كوسيلة لجذب الاستثمار الأجنبي، في الوقت الذي كشفت فيه الظروف الأخيرة أن التواصل العالمي جاء بحركات اجتماعية جديدة تملك رؤية مختلفة عن ما يفهمه الغرب حيال المجتمعات العربية. التحولات العربية هي بمثابة زلزال أحدث تغييرات علينا التعامل معها وليس تجاهلها. فسقوط جدار الصمت العربي يعيد للأذهان سقوط جدار برلين الذي أحدث تحولات عالمية كبيرة. وفيما يخص الظاهرة العربية، علينا أن نفهم أبعادها وندرك تداعياتها المستقبلية، كونها تشكل تحولاً في المجتمعات العربية من حيث طبيعة الحركات الاجتماعية الشابة التي نجدها اليوم تخوض تجربة الاحتجاج السلمي وتدفع نحو مستقبل يحقق مطامحها. فالعالم لا يملك سوى أن يستوعب طبيعة التغير والقوى الدافعة به، ويدرك بأن هذه الحركات تعبر عن تحولات جديدة، وأن المنطقة العربية لم تعد تحكم بمفاهيم تقليدية، وأن الخوف من خطر استيلاء القوى الإسلامية الراديكالية الذي أخذ كذريعة لمنع التحول نحو الديمقراطية، لم يعد حجة مقنعة، وأن المجتمعات العربية في نهاية المطاف هي مجتمعات حية تبحث عن موقعها في النظام العالمي. الوضع العربي مازال يعيش حالة الغموض والخوف والتردد، وربما يذهب البعض في تفسير ما يحدث إلى اعتباره مؤامرة عالمية. وبالطبع فإن هذا المنطق لم يعد له مكان الآن، حيث أن "الثورات" العربية التي استولت على الحكم إبان الاستقلال فشلت في تحقيق مطامح الناس، وساهمت في وقف عجلة التطور. لذا فإن الحركات السياسية التي ساندت الانقلابات الثورية في وقت سابق، هي اليوم مطالبة بالكف عن منع التحول السلمي، لكونها تشترك مع الأنظمة الدكتاتورية في بعض الملامح، وبالتالي فمثل هذه التحولات ستجد المقاومة، سواء من أنظمة الحكم أو من بعض الحركات المدنية التقليدية. والمشكلة الآن هي كيف نفهم الحركات الشبابية الحالية، فهي تختلف عن سابقاتها من الحركات العربية، كما أنها لا تحمل نفس الفهم التقليدي، بل هي حركات ترفع شعار مقاومة القهر الاجتماعي وتبحث عن الكرامة الإنسانية في ظل نظام عالمي تجاهل ويتجاهل الشرائح الاجتماعية الشابة. الحدث إذن يجب التعامل معه وفق رؤية جديدة. ولعل ما يحدث في سوريا يدفعنا للتعامل وفق رؤية جديدة مع مطالب التغيير، خصوصاً وأن الأسد كان ينوي إدخال بعض الحريات، مما يعني أنه كان من اللازم قبل الآن استيعاب التغيرات الجديدة قبل حدوث الانفجار الذي تشهده سوريا حالياً. الوضع السوري يشكل نقطة تحول لها تداعياتها العربية والعالمية، مما يتطلب من الحكم فهم الواقع الجديد والعمل على حماية سوريا ضمن المنظومة العربية ومستقبلها، لأن الانفراط قد يقود إلى تداعيات لا نملك التنبؤ بها في مرحلة خطرة تمر بها منطقتنا العربية. د. علي الطراح