هل تستعمل البلدان الغربية، والمجتمع الدولي بشكل عام معايير مزدوجة في التعاطي مع أعمال القمع التي يقوم بها النظامان الليبي والسوري في مواجهة الاحتجاجات الشعبية؟ بعض بلدان منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وبعد موافقة جامعة الدول العربية والضوء الأخضر القانوني المتمثل في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، تقوم منذ أكثر من ثلاثة أشهر بقصف مواقع القذافي في ليبيا. غير أنه في وقت تزداد فيه أعمال القمع يوماً بعد يوم في سوريا وتتكثف، وتصلنا صور الفظاعات التي تحدث هناك على الرغم من التعتيم الإعلامي الذي يريد النظام السوري فرضه، فإن أي إجراء ملموس لم يتخذ ضد الأسد على ما يبدو. فكيف يمكن تفسير هذا الاختلاف في المعاملة؟ للإجابة على هذا التساءل، أجد أن الواقع يحمل في طياته عدداً من الأسباب الوجيهة أو القابلة للطعن تفسر هذا الأمر. فأولاً هناك حقيقة أن الأسد "غير مشيطن" بالقدر نفسه الذي يشيطن به القذافي في الرأي العام الغربي، إذ يُنظر إلى الرئيس السوري، عن حق أو عن باطل، على أنه ضمانة للاستقرار، في حين يتم ربط القذافي بانعدام الاستقرار. ثم إن هذا الأخير، وعلاوة على مشاعر العداء التي يكنها له الرأي العام الغربي، فإن علاقاته متشنجة مع جل رؤساء الدول العربية خلافاً لحالة نظيره السوري. ونتيجة لذلك، فإنه من السهل أكثر بالنسبة للبلدان الغربية أن تحصل على دعم رأيها العام للإقدام على حرب ضد القذافي، ولاسيما أنه أعلن عن مذبحة وشيكة قبل أن يتاح له الوقت لتنفيذها. هذا في حين أن الأسد يرتكب انتهاكات من دون أن يقولها، مما يشير إلى وجود هوة سحيقة بين إعلانات الانفتاح والوعود بحوار سوري، وأفعاله التي تقوم على القمع فقط. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن القول إن الرئيس السوري رأى في التدخل العسكري الغربي ضد ليبيا فرصة، ذلك أنه أدرك أنه سيكون من الصعب على بلدان التحالف فتح جبهة عسكرية ثانية طالما أن القضية الليبية لم تنته بعد. وبهذا المعنى، يمكن القول إن بشار يحاول أن يستغل الوضع للقيام بأعمال قمع جماعية معتقداً أنه يستطيع الإفلات من العقاب. وعلاوة على حدود القدرات العسكرية للبلدان الغربية، فإن النظام السوري يستفيد أيضاً من الغضب الذي شعر به بعض الأعضاء في مجلس الأمن الدولي جراء تغير المهمة التي تمت بموجب القرار 1973. ففي البداية، كان من المفترض أن تؤمن الضربات التي تشارك فيها بلدان حلف شمال الأطلسي الحماية للسكان المدنيين في ليبيا من المذابح التي توعد بها القذافي خصومه؛ ولكن في غضون ذلك تم الانتقال إلى محاولة تغيير النظام وحالة الحرب. ونتيجة لذلك، شعرت بعض البلدان التي كانت قد امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن الدولي - والتي اتخذت هذا الموقف حتى لا تقف عقبة في وجه تنفيذ هذه العملية العسكرية- بأنها قد خُدعت. ولذلك، فإنه سيكون من الصعب التوصل إلى اتفاق في مجلس الأمن الدولي من أجل القيام بعملية جديدة. وحين حددت هذه البلدان لنفسها هدف وضع حد لنظام القذافي، فإن مفهوم مسؤولية الحماية نفسه (الذي يختلف عن التدخل التقليدي لأنه يقوم على مقاربة قانونية ومتعددة الأطراف) هو الذي تضرر. وعلاوة على ذلك، فإن الصعوبات التي تواجهها العمليات العسكرية التي تتم في ليبيا تكبح حماسة من يرغبون في الدخول في مواجهة عنيفة مع الرئيس السوري، ولاسيما أن الجيش السوري يعتبر متفوقاً على الجيش الليبي. وفضلاً عن ذلك، فإنه لا يوجد متمردون يمكن لحلف شمال الأطلسي أن يعتمد عليهم في سوريا، بل هناك مدنيون فقط يفر بعضهم من أعمال القمع بكل ما أوتوا من قوة. وهذا يفترض أن يشكل دافعاً إضافياً من أجل التدخل، إلا أنه أفرز نتيجة عكسية. وهنا، نرى مرة أخرى أن الإشارة إلى الأخلاق في العلاقات الدولية تنمحي أمام حسابات ميزان القوة، ذلك أن الأخلاق تلعب دوراً يتمثل في إضفاء شرعية على عمل ما أكثر مما تشكل دافعه الرئيسي. ومع ذلك إذا كان يبدو أنه من الحكمة عدم الإقدام على مغامرة عسكرية ضد سوريا، فهل يعني ذلك عدم القيام بأي شيء؟ في الإجابة على هذا السؤال، أرى في الواقع أنه بين الحرب ذات النتائج بعيدة الاحتمال وعدم تحريك ساكن، هناك سلسلة واسعة من الخيارات. وفي هذا الإطار، يمكن لمجلس الأمن الدولي أن يقوم بإبلاغ المحكمة الجنائية الدولية؛ كما يمكنه دراسة نوعية العقوبات التي يمكن اتخاذها في حق سوريا وزعمائها. غير أنه مما لا شك فيه أن هذه الهوة بين سرعة التدخل في ليبيا وبطء رد الفعل على المأساة السورية مزعجة وتستحق التنديد.