في عام1966 عندما كان الرئيس ليندون جونسون يزداد تورطاً كل يوم في مستنقع الحرب الفيتنامية نصحه سيناتور "جمهوري" أميركي من فيرمونت يدعى "جورج إيكن" باتباع استراتيجية بديلة تقوم على إعلان انتصار أميركا في الحرب، ثم سحب قواته بعد ذلك. وكان "إيكن" يرى في ذلك الوقت أنه كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقف عن السعي من أجل تحقيق أهداف تفوق طاقتها، والتركيز بدلاً من ذلك على عمل ما هو ضروري، من أجل التوصل لحل متفاوض عليه، تستطيع أن تتعايش معه. وفي الحقيقة أن إعلان أوباما الأربعاء الماضي بأن الوقت قد حان للبدء في سحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان، مع إنجاز ذلك بوتيرة أسرع مما يقترحه جنرالاته، يحمل في طياته بعض ملامح اقتراح "إيكن". ففي الوقت الذي ما زالت فيه القوات الأميركية تخوض المعارك على الأرض في أفغانستان، أخبر مساعدو الرئيس الصحفيين بأن القرار الذي اتخذه رئيسهم قد استند على النجاحات التي حققتها القوات الحليفة خلال الـ18 شهراً الماضية، وأن تقليص عدد القوات، يؤشر على أن هناك نجاحاً قد تحقق، وليس العكس. وقد كان لافتاً للنظر أن مساعدي أوباما أصروا على التأكيد للصحفيين بأن الأهداف التي تتوخاها الولايات في الوقت الراهن، أكثر محدودية بكثير من الأهداف التي كانت تضعها نصب عينها عندما دخلت ذلك البلد، منـذ قرابة عقد من الزمن. فبدلًا من هدف تحويل أفغانستان من بلد مزقته الحرب إلى ديمقراطية حديثة كما كان يهدف إليه بوش، فإن كل ما يرمي إليه أوباما في الوقت الراهن هو ضمان ألا يتحول هذا البلد مرة أخرى بعد أن ينسحب منه الأميركيون إلى نقطة انطلاق للإرهاب الموجه ضد الولايات المتحدة في المقام الأول، ومن ثم إلى باكستان. وقال مسؤول بالبيت الأبيض إن أوباما كان يأمل أن ينظر الشعب الأميركي إلى خطابه الذي ألقاه الأربعاء الماضي على أنه لحظة "نقطة تحول" في مسار الحرب في أفغانستان. وأشار هذا المسؤول إلى أن الجدول الزمني لانسحاب القوات الأميركية لم يغط سوى ثلث عدد القوات الموجودة هناك (تحديداً العدد الذي تم ضخه عام 2009 لتعزيز القوات الموجودة) التي تصل تقريبا إلى 100 ألف جندي. ويرى الجنرالات الأميركيون أن الجدول الزمني الذي وضعه أوباما لانسحاب ذلك العدد من القوات أسرع كثيراً مما كان يريدون. ففي حين كانوا هم يريدون بقاء تلك القوات حتى نهاية2012 أصر أوباما على ضرورة أن تكون جميعاً قد انسحبت بالفعل قبل نهاية عام 2012. وربما يبدو قرار أوباما كرهان خطر، ولكن هكذا تكون دائماً معظم القرارات التي تُتخذ في الحروب. بيد أن الأمر الذي لاشك فيه هو أن هذا القرار يمثل كما كان يرغب أوباما "نقطة تحول" سواء بالنسبة للاستراتيجية الأميركية بشكل عام أو بالنسبة للسياسات الداخلية. فمن الآن وحتى يوم الانتخابات عام 2012 (لأن الجدول الموضوع يتماشى مع موعد الحملة الانتخابية الرئاسية) سيصب أوباما تقدمنا في مسار الحرب في أفغانستان في قالب أكثر تفاؤلًا. ولو كان الراحل "إيكن" لا يزال حيّاً لكان قد شعر بالرضا، فهذا السيناريو يشبه السيناريو الذي اقترحه في فيتنام: أن نعيد تعريف أهدافنا، ثم نعلن أننا ننتصر وأننا خارجون من البلد.