لم يكن أحد يتصور أن أوباما، الرئيس البراغماتي، بنظريته الواقعية وبخلفيته الأكاديمية- القانونية والسياسية العقلانية، سيضاعف بعد فوزه التاريخي برئاسة الولايات المتحدة قبل عامين ونصف، عدد الحروب التي ورثها من بوش. ولكن الواقع الذي نشهده اليوم يشي بذلك، مما يشكل، عمليّاً، مفاجأة للكثير من الأميركيين، وأيضاً لغيرهم ممن اقتنع من العرب والمسلمين والأوروبيين وحلفاء وخصوم أميركا، بأن سياسة واشنطن كانت برسم التغيير، فإذا بالجميع يصدم اليوم. فما الذي جرى يا ترى؟ خاصة أن مبدأ أوباما الذي يؤمن بالتعددية والعمل المؤسسي ومشاورة الحلفاء، وحتى مد اليد للخصوم، يفترض أن يكون هو النقيض النظري والعملي لعقلية المحافظين الجدد ولمبدأ بوش وسياسته. صحيح أن أوباما استلم إرثاً صعباً ومعقداً من بوش تمثل في حربي العراق وأفغانستان اللتين أزهقتا أرواح أكثر من 6000 أميركي، وجرحتا أكثر من 30 ألفاً آخرين، ناهيك عن عشرات الآلاف الذين يعانون من إعاقات ومشاكل نفسية وصحية تجعلهم بحاجة إلى علاج مدى الحياة. أضف إلى ذلك تريليوناً، أو ألف مليار دولار لا غير، هي التكلفة المالية للحربين. هذا طبعاً دون أن نغفل الحرب الثالثة، غير محددة خط النهاية، وهي الحرب على الإرهاب التي تأخذ أكثر من شكل، وتدخل في جولات متعاقبة كلعبة شطرنج لا تتوقف وبدون أفق، وكانت آخر جولاتها اغتيال بن لادن. وما صرح به قبل أيام رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأميركية الأدميرال مايكل مولين في جلسة استماع أمام الكونجرس بأن "طالبان واجهت العام الماضي عاماً صعباً، وواجهت العام الحالي عاماً صعباً أيضاً، وفي العام القادم ستواجه عاماً أصعب كذلك". ولكنَّ هناك واقعاً آخر يشكل عاملاً معيقاً لأي عمليات عسكرية جديدة وهو الوضع الاقتصادي المتردي. حيث لا يزال المواطن الأميركي العادي تحت وطأة تأثير الأزمة الاقتصادية التي تزيد من أعداد العاطلين عن العمل، والأخطر أنها تبقي نسبة كبيرة من الأميركيين متشككين في قدرة أوباما على تحسين الأوضاع الاقتصادية، بما يتيح فرص توظيفهم أو على الأقل بما يمنع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي قد تدفعهم لخسارة وظائفهم. ولطالما كان العامل الاقتصادي والضرائب هما من يحسم مصير رؤساء أميركا، سواء بالفوز بانتخابات الرئاسة، أو في إعادة انتخابهم لولاية ثانية. والواقع أن الولايات المتحدة يبلغ مجمل ناتجها القومي 14 تريليون دولار، وهو الأعلى في العالم، ويشكل حوالي ربع الإنتاج العالمي. وتصل ميزانيتها السنوية إلى أرقام فلكية هي الأعلى في العالم حيث تتجاوز 3.8 تريليون دولار علماً بأن 40% منها عبارة عن قروض. بينما يتجاوز سقف العجز العام 14 تريليون دولار، أي ما يعادل دخلها القومي. ويتم رفع سقف الدَّين العام باستمرار. وهذا يجعل أميركا التي تنفق نصف الإنفاق العالمي على الأمن والدفاع في وضع اقتصادي صعب، يكبلها ويحد من قدراتها على الانخراط في الالتزامات الخارجية. ولذلك بدأت أميركا تتحدث مع حلفائها عما تسميه Burden- sharing أي المشاركة في الأعباء، وعن تقليص التزاماتها وحروبها في الخارج لخفض الإنفاق. هذا على مستوى الخطاب، ولكن المفارقة أن الواقع يناقض ذلك. وعلى رغم أن أوباما خاطب الشعب الأميركي ليطمئنه بشأن بداية النهاية في أفغانستان، وسحب 10 آلاف جندي هذا العام من هناك، ليرتفع العدد إلى 33 ألفاً قبل شهر من انتخابات الرئاسة في سبتمبر 2012، وكذلك في العراق يسير الانسحاب العسكري الأميركي حسب اتفاقية "سوفا" لعام 2008، حيث من المفترض سيكتمل في نهاية هذا العام، ما لم يتم تعديل الاتفاقية، ولكن الملفت أن العامل المعيق الرئيسي للعمليات العسكرية الأميركية في الخارج، أي الأزمة الاقتصادية التي تدفع أميركا إلى شفا الإفلاس المالي والاقتراض، لا يبدو أنها تؤثر في قرار أوباما في شن حروب، فقد توسع قوس حروب أميركا في عهد أوباما ليشمل بالإضافة إلى أفغانستان والعراق والإرهاب كلاً من ليبيا، حيث تقوم أميركا بنصف العمليات والغارات الجوية على الأهداف الليبية وكتائب القذافي. وهناك أيضاً الحروب البعيدة التي تشنها أميركا في باكستان واليمن والمتمثلة في الطائرات بدون طيار التي تسقط قتلى بين قوات "طالبان"، ومدنيين أبرياء مما يزيد من غضب الباكستانيين و"طالبان"، وحتى يثير استياء الحكومة الباكستانية الحليفة التي حذرت أميركا من احتمال وقف التعاون معها، إذا تكررت مثل تلك الأخطاء. هذا دون أن ننسى كرزاي، حليف واشنطن الاستراتيجي الذي وصف أميركا بأنها "قوة احتلال" مما استوجب ردّاً قاسيّاً وغير دبلوماسي من السفير الأميركي المغادر. واليوم ها هو السيناتور "الجمهوري" المحافظ في مجلس الشيوخ لندسي غراهام يطالب أوباما بتكرار التجربة والدرس الليبي في سوريا! وذلك على رغم التعثر بعد أكثر من ثلاثة أشهر من عمليات "الناتو" في ليبيا، ووسط حصار لأوباما في الكونجرس الأميركي حول شرعية الاستمرار في حرب ليبيا دون تفويض من الكونجرس. أما الإدارة الأميركية، بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين، فتستمر في تصعيد الضغوط تدريجيّاً على النظام السوري دون التفوه بجملة "رحيل النظام" أو "فقد شرعيته". ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية النجاح في إصدار قرار من مجلس الأمن حسب الفصل السابع يمهد لعمليات عسكرية، كحال ليبيا، بسبب "الفيتو" الروسي، وخاصة أن الحالة السورية معقدة، وأن سوريا غير ليبيا، بسبب الملفات التي تتداخل في الحالة السورية من عملية السلام، إلى المواجهة مع إسرائيل، إلى العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، و"حزب الله"، والعراق، وإيران. والراهن أن أوباما بعد إمضائه أكثر من عامين في البيت الأبيض قد خيب آمال وطموحات وتوقعات من راهنوا عليه كرسول تغيير. لا بل إنه إذا ما بقي على نهجه -تمديد البقاء في العراق وتعثر انسحابه من أفغانستان كما يحذر القادة العسكريون بسبب سرعة الانسحاب وعديد القوات المنسحبة، وإذا ما استمرت الغارات بطائرات من دون طيار في باكستان واليمن، وعملية "فجر أوديسا" فوق ليبيا، وإذا ما انضافت سوريا إلى القائمة، فإن أميركا في عهد أوباما تكون قد ضاعفت عدد حروبها عما كانت عليه في عهد بوش! وتكون بذلك قد أثخنت جراحها. فمن كان يظن أننا سنشهد كل ذلك في عهد أوباما... ونحن الذين اقتنعنا بالتغيير الذي بشرنا به.. يا للمفاجأة