الدبلوماسية الفرنسية في حالة تراجع... والأزمة اليونانية مرشحة للتصاعد! تآكل تمويلات وإمكانيات السياسية الخارجية الفرنسية، واستمرار حالة الاحتقان السورية، ومخاوف من توسع تداعيات الأزمة المالية اليونانية، موضوعات استقطبت اهتمام كتاب أعمدة وصفحات رأي الصحف الفرنسية. هزال الدبلوماسية نشرت صحيفة لوموند تحليلاً سياسيّاً كتبته مجموعة من الدبلوماسيين الفرنسيين تحت عنوان: "الدبلوماسية الفرنسية لم تعد سوى قلعة من الرمال"، جاء فيه أن مظاهر الفاعلية والحيوية الدبلوماسية التي قد تبدو على أداء بلادهم في علاقاتها الخارجية الآن قد لا تعني بالضرورة قوة حضور ولا تنامي دور وتأثير على المسرح الدولي. فاستضافة قمة الثماني في دوفيل بالأمس، وكذلك استضافة قمة العشرين غداً، وغيرها من دبلوماسية إنجازات المظاهر ربما تعطي انطباعاً خادعاً بنوع من الحضور القوي لفرنسا على المسرح الدولي، ولكن عندما نتجاوز الأبعاد الاستعراضية الأوبرالية، ودبلوماسية البيانات البليغة والضربات الإعلامية الصاخبة، فتتلاشى أمام أعيننا الأوهام، وتتهاوى قلعة رمال الدبلوماسية الفرنسية على عروشها. والحال أن وزير الخارجية الحالي، "آلان جوبيه"، كان قد كتب هو نفسه في شهر يونيو من العام الماضي مقالاً، بالاشتراك مع وزير الخارجية الأسبق هوبير فيدرين، عبرا فيه عن مخاوفهما من أن يكون "الجهاز (الدبلوماسي الفرنسي) على وشك الانكسار". وهذا الوضع السيئ ما زال قائماً ويمكن تلمسه إذا اقتربنا أكثر من مفردات أداء وأرقام تمويل وزارة الخارجية الفرنسية اليوم، يقول كاتبو التحليل. ومع أنه يحلو للخطاب السياسي الرسمي القول إن بلاده تمتلك ثاني أكبر شبكة دبلوماسية دولية، بعد الولايات المتحدة، إلا أن هذا الادعاء لا يعدو كونه، في الواقع، ذراً للرماد في العيون. فسنة بعد سنة يزداد هزال الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة للخارجية الفرنسية. وإلا فبأية طريقة يمكن ضمان حضور دولي وتأثير للدبلوماسية والسياسة الخارجية الفرنسية، دون وجود العدد الكافي من الرجال والنساء، القادرين على تنفيذها على الأرض. فبعد تخفيض عدد العاملين فيها بنسبة 10 في المئة سنة 1994، وكذلك في سنة 2005، عاد العدد القليل أصلاً للعاملين في وزارة الخارجية الفرنسية الذي لا يتجاوز 15500 فرد، ليتم تقليصه مجدداً بـ2000 من هنا وحتى 2013، تحت طائلة خطط التقشف ودواعي "المراجعة العامة للسياسات العمومية". وأكثر من هذا أن قطاعي التعاون الثقافي والمساعدة التنموية يعتبران من أكثر ما سيتأثر بتقليص وتآكل الجهد الخارجي الفرنسي. وبالنتيجة فإن سياسة فرنسا الخارجية تجازف بفقدان قوتها الناعمة، خاصة إذا عرفنا أن إسهام باريس في دعم المنظمات التنموية والإنسانية الدولية قد تآكل بشكل ملحوظ، حيث تراجع دعمها الاختياري لبرامج الأمم المتحدة بنسبة النصف خلال ثلاث سنوات، وأصبحت بذلك مساهماً ثانويّاً. وبصفة أكثر تفصيلاً فقد أصبحت فرنسا اليوم في مرتبة 17 بين ممولي برامج منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونسيف، وفي المرتبة رقم 15 في تمويل منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا". وإذا ما قورن أداء فرنسا في هذا المجال مع أميركا أو المملكة المتحدة، فسيظهر حجم الفاقد والعوائق أمام حضور الدبلوماسية الفرنسية الآن، وهي مفتقرة أساساً إلى التمويل والوسائل والعناصر البشرية الكفيلة بتحقيق أهدافها الكبيرة المعلنة. الحالة السورية الكاتب بيير روسلين خصص افتتاحية بصحيفة لوفيغارو للأحداث الجارية في سوريا، قائلاً إن من المفارقة، بعد مرور ثلاثة أشهر الآن على الاحتجاجات وبعد سقوط قرابة 1300 من الضحايا، أن يستمر النظام في الحديث عن وجود مؤامرة وعناصر من "المخربين" وراء ما يجري هناك. ووجه المفارقة أن من يتهمون بالمسؤولية عن الدم المراق في الشوارع هم أنفسهم ضحاياه، يقول الكاتب. وبهذا يظهر النظام السوري حالة عدم فهم لما يجري، من خلال تبنيه لخطاب متجاوز ومن زمن آخر. وللتذكير فإن الرئيس السوري الحالي يمسك بمقاليد السلطة منذ 11 سنة، وقد أتيحت له فرص عديدة لإظهار توجهاته السياسية، ورؤاه الإصلاحية. ومع استمرار معاناة المدنيين ما تزال الضغوط الدولية تواجه عائق "الفيتو" الروسي، المتوقع في مجلس الأمن. ومع ذلك لم يعق الأمر هامش التحرك الأوروبي حيث تواصل تغليظ العقوبات، ومساعدة المعارضة الديمقراطية، على تنظيم نفسها وإسماع صوتها. ومثل نظام القذافي، فإن العالم لم يعد في وارد التسامح مع أي نظام شمولي آخر. وفي مقال آخر في ذات الصحيفة تحت عنوان: "سوريا: النكتة ضد الدعاية" يرصد الكاتب روسلين أيضاً أشكالاً أخرى من المواجهة بين النظام والمحتجين على المستوى الرمزي والناعم، ضمن مساعي كل من الطرفين لاكتساب الرأي العام. وفي سياق متصل كذلك نشرت لوموند مقالاً لكارولين فورست استعرضت فيه بعض إسقاطات الحالة السورية على الجار اللبناني، مشيرة إلى أنه كلما زاد حجم الاحتقان في سوريا كلما توجس الجميع في لبنان من تداعيات ذلك عليهم. فهناك تعبر تداعيات الحالة السورية عن نفسها من خلال زيادة درجات الاستقطاب بين المعسكرين اللبنانيين، الموالي والمعارض، لـ"حزب الله"، واستطراداً لسوريا. ولعل أكثر ما يخشاه المراقبون هو أن يسعى بعض الأطراف الإقليمية لقلب الأوراق في لبنان ولفت الأنظار عن المواجهة الداخلية في سوريا بين الحكومة والمحتجين، بالدخول في صراع آخر ذي طابع دولي. "الدومينو" الأوروبي تحت عنوان "اليونان: والخوف من حالة الدومينو" ذهب الكاتب جان كاترمير في تحليل نشره بصحيفة ليبراسيون إلى أن المخاوف تتعاظم الآن بشأن الوضع في اليونان، حيث يبدو أن الاتحاد الأوروبي غير قادر في الوقت الراهن على الخروج من تداعيات أزمة الديون العامة التي انطلقت شرارتها من أثينا، والتي تهدد في الواقع جميع منطقة "اليورو"، بما يشبه تأثير سقوط "الدومينو" عبر تفشي حالة من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي، هي آخر ما يحتاجه الاتحاد في الوقت الراهن. بل إن الولايات المتحدة نفسها تحبس الأنفاس الآن توجساً من وصول تأثيرات الأزمة المالية الأوروبية إليها، على اعتبار أن ما يجري في القارة العجوز يضخ زوابع ورياحاً غير مواتية في أشرعة الاقتصاد العالمي، وبالتالي في أشرعة الاقتصاد الأميركي. ويذهب الكاتب الذي اعتبر أن مساعي أثينا السابقة لاحتواء الجائحة المالية لم تكن فقط غير فعالة، بل كانت أيضاً نوعاً من اللعب بالنار، إلى أن ثمة خلافاً عميقاً بين "إفانجيلوس فينيزيلوس" وزير المالية الجديد في اليونان، والمفوض الأوروبي للشؤون المالية والنقدية "أولي رين" المعروف بتحفظه الشديد، حول السبل العاجلة الكفيلة بتطويق الحريق المالي اليوناني. ويتساءل الكاتب أخيراً: هل تهديد العدوى سيبقى قائماً فعلاً؟ مجيباً على ألسنة بعض الخبراء بأن ثمة مخاوف حقيقية من انهيار مالي عارم بحجم كارثة "ليمان براذر" التي اعتبرها كثيرون البداية الفعلية للأزمة المالية العالمية. وفي الأخير دعا "كاترمير" إلى إنشاء وزارة أوروبية للمالية لتلافي أي تعارض مصالح بين الأسواق داخل القارة، هذا زيادة على ضرورة دعم الميزانية الأوروبية الهزيلة. ولكن يبقى السؤال عما إن كان الألمان سيقبلون خطوة فيدراليّة بحجم إنشاء وزارة من هذا القبيل، أم أنهم ستفضلون الانهيار الاقتصادي الأوروبي على ذلك. وفي الجواب ينقل الكاتب عن مسؤول أوروبي قوله: "لا أحد يعرف موقف الألمان تجاه هذا الخيار، وقد يكون من الأفضل عدم مواجهتهم بمثل هذا السؤال". إعداد: حسن ولد المختار