تحتاج الدول، التي تسعى إلى اجتذاب أكبر قدر من الاستثمارات الأجنبية لأراضيها، إلى أن تعدّ عدّتها الداخلية أولاً قبل أن تخرج لدعوة الشركات وأصحاب رؤوس الأموال الأجنبية للقدوم إليها، ويقصد بإعداد العدّة قيام الدولة بوضع رؤية مستقبلية بعيدة المدى لاقتصادها تحدّد فيها ملامح العمل المستقبلي والمحاور التي سيتبنّـاها هذا العمل وبالتالي القطاعات التي سيعتمد عليها الاقتصاد الوطني في طريقه نحو التقدم والتنمية. وإلى جانب ذلك على الدولة أن توفّر الظروف الاستثمارية التي تحقق متطلبات المستثمرين من شركات وأفراد في مختلف القطاعات، وأن تطرح من حين لآخر ما لديها من فرص استثمارية أمام هؤلاء المستثمرين لكي يمكنهم الانتقاء منها وفقاً لتفضيلاتهم التي تنبني في الأساس على قدراتهم المالية وخبراتهم الاستثمارية، وقد يكون من الأفضل للدولة لكي تفي بهذا المتطلب الأخير أن ترسم خريطة محددة لما تمتلكه من فرص استثمارية "خريطة استثمارية"، على أن تكون هذه الخريطة جزءاً لا يتجزأ من العمل الاقتصادي الكلي للبلاد، بما يضمن لها التوافق مع المتطلبات الآنيّة والمستقبلية للتنمية. وفي هذا الإطار، تعتبر دولة الإمارات واحدة من الدول ذات التجارب الناجحة في اجتذاب الاستثمار الأجنبي بشقّيه المباشر وغير المباشر، ولديها تفوق إقليمي واضح في هذا الشأن كما أنها ذات خبرة كبيرة في منافسة القوى الكبرى على خريطة الاستثمار العالمي، وهي تستقطب حالياً ما يفوق الـ10 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 13 مليار دولار نهاية العام الجاري، لتكون بذلك تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الآتية إلى الدولة قد عادت إلى أعلى مستوى لها الذي كانت قد بلغته في عام 2008 إبان اندلاع "الأزمة المالية العالمية". وفي خضم الاستعداد لمرحلة جديدة من النمو والازدهار الاقتصادي بعد خروج الاقتصاد الإماراتي من أسوأ مراحل الأزمة المالية، تستعد الدولة لاستقطاب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر لتمويل الفرص الاستثمارية السانحة لديها. وفي إطار الترويج للفرص الاستثمارية التي يوفّرها الاقتصاد الوطني، قامت "وزارة الاقتصاد" مؤخراً بالكشف عن "الخريطة الاستثمارية للإمارات"، وهي تغطي فترة تمتد سبعة أعوام، من 2011 إلى 2018، وتحدّد هذه الخريطة الفرص الاستثمارية المتاحة في جميع أنحاء الدولة، وقد لوحظ أن هذه "الخريطة" قد راعت توافر معيارين رئيسيين في الفرص التي تمّ تضمينها في "الخريطة الاستثمارية" للدولة، يقضي المعيار الأول بأن تكون الفرصة الاستثمارية المتضمّنة جاذبة للمستثمرين الأجانب، وهو ما يقضي بضرورة اختيار الفرص التي يتمّ تضمينها في "الخريطة الاستثمارية" بعناية تامة بما يتوافق مع تطلّعات المستثمرين وتفضيلاتهم. أما المعيار الثاني فيشترط أن تكون الفرص المتضمنة في "الخريطة الاستثمارية" متوافقة مع الأهداف العامة لخطط التنمية واستراتيجياتها في حاضر الدولة ومستقبلها، وهي قضية أكثر أهمية وحساسية، خاصة أنه إلى جانب ضرورة توافق الفرص الاستثمارية التي يجب التركيز عليها مع أهداف الدولة المرسومة في الحاضر، فإنها من ناحية أخرى تسهم في رسم الملامح الاقتصادية والتنموية للدولة في المستقبل، والواضح أن المعنيين بـ"الخريطة الاستثمارية" للدولة قد قاموا بهذه الخطوة بعناية تامة، وهو ما يتضح من تركز معظم الفرص المتضمنة في تلك "الخريطة" في القطاعات المرتبطة بما يسمّى "اقتصاد المعرفة"، والذي يمثل بناؤه إحدى الغايات التنموية التي توجّه الدولة أنظارها إليها في المستقبل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.