في الوقت الذي تستعد فيه البلدان الغربية إلى خفض قواتها المسلحة في أفغانستان، وإرجاع جزء كبير منها إلى أرض الوطن بحلول الشهر المقبل، بدأت محاولات جادة لتحقيق المصالحة بين الحكومة الأفغانية وحركة "طالبان". وتأتي هذه المحاولات الدؤوبة لتقريب وجهات النظر، والبحث عن حل سياسي متفق عليه لإنهاء الحرب الدائرة وسط قناعة أميركية راسخة أنه من دون مصالحة حقيقة مع "طالبان"، ستغرق أفغانستان في مستنقع الصراعات والحروب الدموية بين مختلف الأطراف الأفغانية، ما إن تبدأ القوات الغربية في انسحابها التدريجي من البلاد، لكن ورغم ما تنطوي عليه القناعة الأميركية من وجاهة يبقى إنجاز المصالحة مع "طالبان"، التي تتمسك بمجموعة من القواعد الخاصة، صعباً للغاية، ويحمل في طياته الكثير من المحاذير بالنسبة للحكومة الأفغانية، فلو أن "طالبان" وافقت على العودة إلى كابل في إطار اتفاق لتقاسم السلطة فإن السؤال الذي سيواجه جميع المتدخلين، هو ما إذا كانت الحركة ستقبل بقواعد اللعبة السياسية، وتوافق على العمل بمقتضى الدستور الأفغاني، أما أنها ستلجأ إلى التقيد بفهمها الخاص للإسلام والسعي إلى تطبيق قواعدها المتشددة. أما السؤال الأهم الذي يؤرق الغربيين، هو ما إذا كانت "طالبان" ستقطع علاقتها فعلًا مع "القاعدة"، أم أنها ستستمر في التعامل معها، فمع أن الانفصال التام عن "القاعدة" من الشروط المسبقة التي يفرضها الغرب قبل الشروع في أي مفاوضات، فإنه قد يكون من المستحلين تطبيق هذا الشرط على أرض الواقع في ظل عقيدة "طالبان" المتشددة، وبالطبع لايمكن أبداً، ونحن نتحدث عن المصالحة مع "طالبان" إغفال الدور الكبير والمحوري الذي تضطلع به الجارة باكستان في كل هذه العملية، فهي ستكون جزءاً أساسياً من المصالحة وستفتح أبواب "طالبان" لكل من يريد التحاور معها سواء الحكومة الأفغانية أو الغربيين. لذا جاءت الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأفغاني، حميد كرزاي، إلى باكستان، علماً أن علاقته معها يشوبها شعور بعدم الارتياح، بحثاً عن مساعدة الباكستانيين لإنجاح المباحثات مع "طالبان"، وإزالة أي عقبات في الطريق قد تعرقل هذه الجهود. ولا شك أن دور باكستان مهم جداً لأنها البلد الوحيد في العالم الذي يتوافر على خطوط اتصال مع قادة "طالبان". ومن جهتها تدرك الولايات المتحدة هذه الحقيقة لذا تسعى إلى إشراك باكستان في المفاوضات لتسهيل إجرائها، وإنجاح مسيرتها، لا سيما وأن واشنطن تعول كثيراً على المصالحة بين الحكومة الأفغانية و"طالبان" لاستكمال سحب قواتها بعدما نجحت أميركا في قتل ابن لادن وتركيز الداخل الأميركي على عودة الجنود إلى أرض الوطن بعد القضاء على العدو الأول للولايات المتحدة الذي طاردته لفترة طويلة، قبل أن يلقى حتفه على أيدي قواتها الخاصة. وفي هذا السياق لم يكن غريباً أن تتعهد القيادة الأفغانية ونظيرتها الباكستانية خلال الأسبوع الجاري، وتحت أنظار أميركية بالعمل المشترك على إنجاح جهود المصالحة، ومع أنه من الصعب في هذه المرحلة تقييم تلك الجهود ومدى التقدم الذي تحققه في ظل السرية التامة التي تلف المباحثات الجارية مع "طالبان"، إلا أن المؤكد والمعروف هو تعيين الرئيس كرزاي للمجلس الأفغاني للسلام، الذي يضم في عضويته مسؤولين سابقين في "طالبان" بهدف التواصل مع قادة بارزين في الحركة، كما أنه وخلال زيارة كرزاي إلى إسلام آباد الأخيرة أعلن الطرفان عن استحداث لجنة مشتركة للمصالحة والسلام، وهي الهيئة التي ستلعب دوراً كبيراً في عملية المصالحة الجارية حالياً، وكانت الحكومتان الأفغانية والباكستانية قد اتفقتا على إقامة اللجنة حتى قبل الزيارة الأخيرة للرئيس كرزاي، بحيث من المتوقع أن تجتمع اللجنة مرة كل شهر تحت الرعاية الأميركية التي ستتابع ما يجري، وستقيم النتائج. ولتسهيل الجهود وتذليل العقبات أمام جهود المصالحة، طالبت الولايات المتحدة إلى جانب بريطانيا وفرنسا من الأمم المتحدة التمييز بين عناصر "طالبان" وأفراد "القاعدة" عندما يتعلق الأمر بتطبيق العقوبات، فقد صوت في الأسبوع الماضي مجلس الأمن بالإجماع على التفريق في التعامل بين "طالبان" و"القاعدة". هذا بالإضافة إلى الطلب الذي توجه به كرزاي إلى اللجنة التابعة لمجلس الأمن المكلفة بتنفيذ العقوبات بحذف 50 شخصية تنتمي إلى "طالبان" من قائمة الأفراد المستهدفين بالعقوبات، والتي تضم نحو 135 شخصية من الحركة. وهي رسالة تشجيع تبعث بها الولايات المتحدة إلى "طالبان" للمشاركة في المفاوضات مع الحكومة الأفغانية في مقابل استفادة عناصرها من إعادة التأهيل والإدماج في الحياة العامة، ورفع أسمائهم عن قوائم العقوبات. لكن وبموجب شروط المفاوضات سيكون على "طالبان" قطع علاقتها في جميع الأحوال مع "القاعدة"، بيد أن التشجيعات التي تقدمها أميركا للحركة من أجل تليين مواقفها لا تحجب الصعوبات الكبيرة التي تنتظر جهود المصالحة واحتمالات الفشل التي ترافقها منذ البداية. أما الهند ورغم انضمامها إلى هذه الجهود بإعلان موقفها الداعم للمصالحة بين "طالبان" والحكومة الأفغانية، فإنه موقف تفرضه الضرورة وليس الاقتناع، فالهند أيضاً لها رهانات كبيرة في أفغانستان باعتبار مساهمتها الكبيرة في إعادة الإعمار وكونها أكبر دولة مانحة في المنطقة، لكن في حال نجحت جهود المصالحة وأصبحت "طالبان" جزءاً من الحكم في كابل، فإن ذلك لن يروق كثيراً للهند التي تدرك عدم ارتياح الحركة للحضور الهندي في البلاد، وبسبب ما سيستتبع ذلك أيضاً من تنامي النفوذ الباكستاني المعروف عنه عدم رغبته في رؤية الهند تعزز تواجدها الاقتصادي في أفغانستان.