لا يعالج مشروع حسن حنفي، الذي أطلق عليه "التراث والتجديد"، مناهج البحث في تراثنا العربي- الإسلامي القديم فحسب، بل يمتد لمعالجة التراث كله بوصفه لا يزال متفاعلًا مع الواقع ويؤثر نفسيّاً على الجماهير الغفيرة. وينطلق حنفي في مشروعه من أن "المعركة الحقيقية الآن هي معركة فكرية وحضارية، ولا تقل أهمية عن المعركة الاقتصادية أو المعركة المسلحة، إن لم تكن أساسها، وأن الهزيمة المعاصرة هي في جوهرها هزيمة عقلية كما أنها هزيمة عسكرية، وأن الخطر الداهم الآن ليس فقط هو ضياع الأرض، بل قتل الروح وإماتتها إلى الأبد". وينطوي المشروع على ثلاثة روافد، يرى أن التمعن في جزئياتها المتعددة، يمكننا من بناء مشروع للنهضة العربية- الإسلامية. وهذا المشروع لا يهتم بالذات فحسب، كما فعل الجابري، بل يمتد إلى "الآخر" ليحاول مواجهته بأسلحته نفسها، من أجل أن يقضي على الرهبة منه، والوهم إزاءه، ويعيد الثقة في الذات، ويعرج على الواقع، ليدرس جدل الأفكار فيه، وإمكانية صمودها في وجه التحديات التي تفرضها الحياة بشتى تعقيداتها. والجبهة الأولى من المشروع، وهي المتعلقة بالموقف من التراث القديم، تهدف إلى إعادة بناء العلوم التقليدية، ابتداء من الحضارة ذاتها، بالدخول في بنائها، والرجوع إلى أصولها لبيان نشأتها وتطورها، سواء بالنسبة إلى كل علم، أو بالنسبة لمجموع العلوم.. وذلك "بالإشارة إلى هذه الأصول نفسها، والبدء منها، واستعمال لغتها، والتفكير في مؤلفيها، بدون أي إشارة إلى عوامل خارجية من ظروف أو تأثرات، إلا إذا اعتبرت هذه الظروف كمُثيرات، وهذه التأثرات كتشكل كاذب". وتشتمل هذه الجبهة على ثمانية أجزاء، الأول، يرتبط بعلم الإنسان (من العقيدة إلى الثورة)، وهو محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين التقليدي، باعتباره أول العلوم الإسلامية، من حيث الظهور، إذ أنه يعرض للوحي في أساسه النظري، ويمس لُبَّ الدين وجوهر العقيدة، وهو مرتبط بالبيئة الإسلامية أشد الارتباط، ويتسم بالنقاء الخالص، حيث لم يخضع لأي أثر خارجي في نشأته، بل كانت الأحداث السياسية التي زخر بها العالم الإسلامي هي الدافع وراء وجوده، في نظر حنفي، الذي يرى أن هذا العلم يمكن أن يمدنا بأيديولوجية عصرية، تشتمل على ما يسميه لاهوت الثورة والأرض والتحرير والتنمية والتقدم. ويرتبط الجزء الثاني (من النقل إلى الإبداع) بفلسفة الحضارة وعلوم الحكمة، ويحاول فيه حنفي أن يوضح طبيعة العمليات الحضارية التي حدثت في الفلسفة الإسلامية القديمة، جراء تقابل الحضارة الإسلامية الناشئة مع الحضارة اليونانية الوافدة، الأمر الذي يشبه، إلى حد كبير، ما حدث في عصرنا الحديث، من التقاء الحضارة الإسلامية مع الحضارة الغربية وقت نهضتها. ويهدف الجزء الثالث إلى كشف جوانب المنهج الوجداني المرتبط بالتصوف، حيث "يظهر فيه الإنسان كبعد مستقل، والشعور كنقطة بداية لتأسيس العلم". وهذا التوجه بالغ الخطورة، في رأي حنفي، لأنه يجذر قيماً سلبية، مثل الخضوع والتوكل والهروب من الواقع، ولذا يرفض غنوصيته، وانسحابه. ويعد الجزء الرابع (من النص إلى الواقع) محاولة لإعادة بناء علم أصول الفقه التقليدي، الذي تمكن من تحويل الوحي إلى منهج استنباطي استقرائي، مرتبط بـ"علم التنزيل"، وهو علم مستقل يؤكد حنفي أنه أفضل ما أخرجته الحضارة العربية الإسلامية، وأنه يوضح بجلاء تكوين الإنسان الداخلي، من حيث هو زمان ونية، والخارجي، من حيث هو فعل وسلوك. ولا يقتصر هذا العلم على العقدي والتعبدي فحسب، بل يمتد إلى "الفقه الاجتماعي" أو "فقه الوجود"، الذي يحاول حنفي أن يغير مادته المعتادة، التي يغلب عليها طابع الأحوال الشخصية، إلى مادة عصرية يغلب عليها الطابع الاجتماعي. أما الجزء الخامس فيحاول حنفي فيه أن يعيد بناء العلوم النقلية، التي تشمل القرآن الكريم والحديث الشريف والتفسير والسيرة والفقه، من خلال دراستها في ضوء "أولوية الواقع على الفكر" و"أثر التطور والزمن على النص"، وعبر تجاوز الطرق اللغوية والأدبية والفقهية في تفسير النصوص إلى وضعها وسط الأشياء المتفاعلة والمتغيرة، وتجاوز مناهج الرواية إلى النقد العقلي والحسي للمتون، والانتقال من الشخصي إلى الكلام في التعامل مع السيرة، بحيث يتم الحد من سلطة الشخصي وعبادة الأشخاص في حياتنا العامة. وفي الجزء السادس يسعى حنفي إلى إعادة بناء العلوم الرياضية من جبر وهندسة وحساب وفلك وموسيقى، بحيث تتم معرفة "توجهات الوحي الشعورية التي أدت إلى الاكتشافات النظرية في هذه العلوم"، كما تتم إعادة بناء العلوم الطبيعية من كيمياء وفيزياء وطب وتشريح ونبات وحيوان وصيدلة من أجل معرفة "وظيفة الوحي في توجيه الشعور نحو الطبيعة وتملك قوانينها". ويكمل الجزء السابع محاولة إعادة بناء العلوم، من خلال تركيزه على الإنسانيات من علم نفس واجتماع وسياسة وتاريخ وجغرافيا ولغة وأدب، بحيث يتم التعرف من خلالها على دور الوحي في بناء الشعور وتوجيهه نحو الفردي والجماعي. أما الجزء الثامن، فهو محاولة لوصف البناء الحضاري الإسلامي وتطوره، توطئة لنقله إلى طور جديد، ينهض بالمسلمين، ويخرجهم من دائرة التاريخ المغلقة التي يعيشون فيها إلى شكل عصري. وهناك ثلاثة حلول تتنازع قضية "التراث والتجديد"، في رأي حنفي، الأول هو الاكتفاء الذاتي بالتراث، وهو في نظره ظاهرة اجتماعية أكثر منها فكرية، ترتبط بفئة تدافع عن مصالحها ومكاسبها ومناصبها، عبر المزايدة بالدين. أما الحل الثاني فيكمن في الاكتفاء الذاتي بالتجديد. وينطلق أصحاب هذا الاتجاه من أن التراث القديم لا قيمة له في ذاته، ولا يحتوي أي عنصر للتقدم، وهو جزء من تاريخ التخلف أو أحد مظاهره، ولذا فإن الارتباط به نوع من الاغتراب ونقص في الشجاعة، وتخلٍّ عن الموقف الجذري، الذي يؤدي تبنيه إلى النهضة. ومن وجهة نظر حنفي فإن هؤلاء على حق من حيث المبدأ وعلى خطأ من حيث الواقع، لأنهم يبنون فوق جدران متهدمة، ولا يبذلون جهداً من أجل رفع الأنقاض لتشييد بناء جديد، ويتناسون أن الشعوب لا تتغير في لحظة.