مثله في ذلك مثل شاحنة محملة بأكثر من طاقتها، وتصعد ببطء شديد تلاً منحدراً، يكاد الاتحاد الأوروبي الآن يتوقف عن الحركة. واليونان هي الجزء الأكثر إلحاحاً في معاناة الاتحاد الأوروبي: فما بين الغضب في شوارع أثينا، والتباين في اتخاذ القرار بين بروكسل وبرلين وفرانكفورت ولكسمبورج، يمكننا أن نرى مظاهر عديدة للأزمة. لكن الغضب العارم لا يقتصر على شوارع اليونان فحسب، وإنما يمكن أن يمتد لأيرلندا والبرتغال، بل وإسبانيا أيضاً، حيث يشعر الناس في تلك الدول أن الشباب والفقراء والعاطلين عن العمل يجبرون إجباراً على دفع فاتورة الإسراف الأناني لسياسييهم، ولمديري البنوك الفرنسيين والألمان الذين أقرضوا بكثافة في وقت لم يكن من المفروض أن يقرضوا أبداً. إن ما نراه عبر القارة هو أن عدد الغاضبين أخذ في التزايد. ولا يقتصر الإخفاق على منطقة اليورو فحسب، بل نجد أن أي مشروع كبير في أوروبا يتعرض للتعثر: ففرنسا وإيطاليا تقترحان حالياً إلغاء اتفاقية "شينجن" التي تم بموجبها إزالت الحدود بين الدول الخمسة والعشرين المشاركة، لمجرد أن عدة آلاف من المهاجرين الأفارقة قد لجؤوا إلى جزيرة لامبيدوسا. إن هذا بحد ذاته يدل على أن مبادئ التضامن والعدالة الاجتماعية التي كانت قيماً مركزية للمشروع الأوروبي منذ عام 1945 تتراجع الآن في كل مكان من القارة. وحتى فيما يتعلق بأحداث الربيع العربي، والتي كان يفترض أن تشكل أهم حدث سارٍّ لأوروبا في القرن الحادي والعشرين، رأينا أن تفاعل القارة، الجمعي والمؤسسي، معها كان ضعيفاً وباهتاً. وحتى في أفضل الحالات بعثاً على الأمل من بين أحداث الربيع العربي -تونس ومصر- نجد أنه لم يعد لدينا سوى شهور قليلة حتى نتمكن من الحيلولة دون تحول الربيع العربي في هذين البلدين إلى خريف. فالأحلام المجهضة لنصف عدد سكان الدولتين من الشباب، سوف تفرز موجات أكبر حجماً من المهاجرين لأوروبا. وفي هذين البلدين أيضا يتوقع أن يستغل الإسلاميون التخبط السائد في هذا المناخ لتعضيد أجنداتهم. كذلك، نجد أن التدخل العسكري بقيادة أوروبية في ليبيا، قد كشف عن فشل أوروبا المزمن في تركيز قدراتها العسكرية، وهو ما يتبين من حقيقة أن بعض الدول المشاركة تشكو الآن من أن ذخيرتها قد نفدت وتطالب الولايات المتحدة بمساعدتها! ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل نجد أن مشروع التوسع شرقاً، وهو المشروع الأوروبي الأكثر نجاحاً حتى الآن، قد أوشك هو الآخر على التوقف. صحيح أن كرواتيا سوف تنضم، لكننا يجب أن نعذر الكروات إذا ما تساءلوا إلى أي اتحاد سوف ينضمون؟! ويجب ألا ننسى في معرض الدلالة على تفاقم أزمة الاتحاد الأوروبي، أن أردوغان في لم يأت على ذكره خلال الخطاب الذي ألقاه احتفالاً بفوزه في الانتخابات التي جرت في تركيا مؤخراً. وتعثر هذا المشروع من وجهة نظري، يرجع إلى الافتقار للقيادة القادرة. فالقادة الكبار الذين كانوا بمثابة المحركين الرئيسيين لمشروع التوسع الأوروبي، مثل هلموت كول وفرانسوا ميتران وجاك ديلور، ومن قبلهم الآباء المؤسسون، قد خفت ذكرهم أو اختفوا تاماً. ورغم أن نوعية القادة اليوم أقل بكثير مما كانت عليه منذ ربع قرن، حيث كان هؤلاء القادة موجودين، فإن الحاجة إلى القيادة ما تزال قائمة، وربما ستكون هناك حاجة لقيادة ميركل على وجه الخصوص. لماذا ميركل؟ لأنه إذا ما كنا نتحدث عن الاقتصاد الأوروبي والعملة الأوروبية، فألمانيا هي القوة التي لا غنى عنها لتحقيق ذلك. فالاتحاد بين ألمانيا والبنك المركزي الأوروبي، وعملهما معاً هو الشيء الوحيد الذي يمتلك الفرصة لتهدئة الأسواق المضطربة. فمنذ أكثر من عام، ظلت ميركل تحاول العثور على مسار ضيق يتلاقى عنده الحد الأدنى الذي يمكن لألمانيا عمله لإنقاذ هوامش منطقة اليورو، مع الحد الأقصى الذي يمكن للرأي العام الألماني تحمله. بعد ذلك حاولت ميركل كسب شركائها في منطقة اليورو وجذبهم لهذا المسار، لكنها لم تنجح في ذلك. ولهذا السبب تحتاج ميركل الآن إلى البدء من الناحية الأخرى لهذا المسار، من خلال العمل مع البنك المركزي وحكومات منطقة اليورو، لتحقيق أفضل ما يمكن تحقيقه وأكثره مصداقية، على أن تقوم باستخدام سلطتها في الموضع المناسب لإقناع الرأي العام في بلدها أن ذلك سوف يصب في خانة المصالح القومية الألمانية في نهاية المطاف، وهو كذلك بالفعل. وميركل مطالبة بفعل كل ذلك، لأنه ليس هناك من سيفقد الكثير من تفكك منطقة اليورو أكثر من بلدها الذي يعتبر القوة الاقتصادية المركزية في القارة الأوروبية حالياً. بيد أنه يلزمها فعل ذلك اليوم قبل الغد، وإلا فستكون قد تأخرت أكثر مما ينبغي. تيموثي كارتون آش أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة أوكسفورد ينشر بترتيب خاص مع خدمة"إم. سي. تي. إنترناشيونال"