قبل بضعة أيام قرأت مقالًا في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية حول مبادرة أوباما الأخيرة التي اقترح فيها الاستناد إلى خط 1967 كأساس للتفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين على حدود الدولة الفلسطينية العتيدة، وقد أشارت الصحيفة إلى موافقة عباس على المبادرة الأميركية فيما جاءت ردة فعل نتنياهو متشنجة وقاسية برفضه المبادرة جملة وتفصيلًا، زاعمة أنه ما زال يدرس الرد المناسب والرسمي على خطة أوباما. وعنونت الصحيفة مقالها: "البيت الأبيض ينتظر موافقة نتنياهو على مبادئ السلام التي اقترحها أوباما"، حيث بدا أن المبادرة الأميركية، وما تلاها من رد فعل إسرائيلي، هي مجرد فصل آخر من فصول مسرح العبث، إذ كيف لنا وصف العلاقة المختلة بين أميركا وإسرائيل عدا بالارتماء في فن مسرح العبث في أقصى درجاته! فلننظر مثلا إلى جرأة بل وقاحة رئيس وزراء دولة صغيرة تعتمد بشكل كلي في استمرارها الاقتصادي وتفوقها العسكري على القوة الكبرى الوحيدة في العالم، ومع ذلك ينخرط في عملية تقريع فظة لرئيسها الذي يفترض أنه الأقوى والأكثر نفوذاً بين سائر زعماء العالم! والحقيقة أن هذا التشابه بين العلاقة الإسرائيلية- الأميركية وتقاليد مسرح العبث تأكد لي أكثر عندما قرأت العنوان السابق الذي يصور البيت الأبيض في حالة انتظار لرد نتنياهو، ما يحيلنا مباشرة إلى مسرحية الكاتب البريطاني الشهير، صامويل بيكيت، المعنونة "في انتظار جودو"، فعلى غرار جودو الذي لن يأتي أبداً كان مجيئ نتنياهو إلى واشنطن كعدمه، بل كان بإمكانه البقاء في إسرائيل بعد البيان الذي أصدره مكتبه وأدان فيه بشدة مبادرة أوباما. وربما لكي تكتمل دائرة العبث كان الأولى بنتنياهو توجيه رسالة إلى لوبي "آيباك" يطالبه فيها بالضغط على الكونجرس الأميركي لتمرير قرار مؤيد لموقفه وشاجب لمبادئ أوباما التي تحدث عنها في خطابه بشأن حدود 1967. وفي المسرحيتين معاً، تلك التي تجري على الخشبة والأخرى التي تدور أحداثها في الواقع السياسي، نرى كيف لجأت الشخصيات إلى تمضية الوقت انتظاراً لما قد لا يأتي أبداً، إذ لم يكتف نتنياهو بانتظار مرور الوقت واكتسابه لصالحه، بل عمل على تخريب المبادرة الأميركية منذ البداية ونسف عملية السلام من أساسها بجعل هدف قيام الدولة الفلسطينية أبعد من الخيال، معتمداً على استراتيجية تنطوي على الكثير من اللؤم، فهو من جهة يدعو الفلسطينيين إلى المفاوضات دون شروط مسبقة، ثم من جهة أخرى يضع قائمة من الشروط الخاصة بإسرائيل! وفي الوقت الذي يعلن فيه قبوله مبدأ حل الدولتين يعمل كل ما في وسعه لضرب أسس هذا الحل، هذا بالإضافة إلى اعتراضه على المصالحة الفلسطينية وتدخله في الشؤون الداخلية لمحاوريه الفلسطينيين! وحتى مبادرة أوباما نفسها لم تخلُ هي أيضاً من العبث، فهي تنص على اعتماد خط 1967 كأساس لبدء المفاوضات للتوصل إلى حدود نهائية يتفق عليها الطرفان، ولكن بما أن ميزان القوى مختل بشكل كبير وسافر فما الذي سيمنع الطرف الأقوى، وهو إسرائيل، من استغلال الطرف الأضعف، وهو الفلسطينيون، لفرض شروطه بالقوة؟ بيد أن العبث الأكبر من كل ذلك يكمن في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة أساساً، لاسيما قدرة رئيس وزراء إسرائيل على توظيف السياسة الداخلية الأميركية لتوجيه انتقاد لاذع للرئيس الأميركي، وقد حدث ذلك عندما جعل نتنياهو الكونجرس يستضيفه في مناسبة نادرة تخصص فقط للشخصيات الوازنة ثم ما تلا ذلك من تأييد جارف من قادة الحزبين معاً في الكونجرس لموقفه المعارض لمبادرة أوباما، بل إن صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت إلى المرات العديدة التي وقف فيها أعضاء الكونجرس تصفيقاً لخطاب نتنياهو إلى درجة بدا معها وكأنهم سمعوا الخطاب كله وهم واقفون. وقد تواصلت أيضاً مظاهر العبث والسريالية عندما لم تتردد نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية "الديمقراطية" في مجلس النواب، وهاري ريد، زعيم الأكثرية "الديمقراطية" في مجلس الشيوخ في إحراج رئيسهما وإلحاق الضرر بالسياسة الخارجية لبلدهما في الشرق الأوسط، وقد أبدى الكونجرس ترحيباً خاصّاً ووقف مصفقاً في مقاطع بعينها من خطاب نتنياهو مثل ادعائه أن المستوطنين في الضفة الغربية ليسوا محتلين بل هم في "أرض أجدادهم"! وبقبولهم بهذا المنطق السخيف وضع النواب الأميركيون أنفسهم في صف اليمين الديني المتطرف على حساب مبادئ العدالة والقانون الدولي. وبانحيازه إلى خطاب نتنياهو، الذي رفض فيه العودة إلى خط 1967 وضرب بمقترح أوباما عرض الحائط، يكون الكونجرس الأميركي قد وقف في صف منتهكي قرارات الأمم المتحدة الواضحة في هذا الخصوص، كما أن هذا الكونجرس الذي لا يفوت فيه النواب فرصة للادعاء بأنهم مع الدفاع عن حقوق الإنسان وضمان سيادة القانون والدفاع عن مبادئ المساواة باعتباره مؤسسة ترمز للديمقراطية الأميركية، تخلى عن كل ذلك أمام نتنياهو بدعوى الحفاظ على التوازن بين الفلسطينيين وإسرائيل، وهو ما يقودنا إلى موقف عبثي آخر إذ كيف نقيم توازناً بين إسرائيل المدججة بأحدث أنواع الأسلحة المتطورة والمستفيدة من الحماية الأميركية المطلقة والفلسطينيين الذين يُتحدث عن دولتهم منزوعة السلاح. وهكذا وبعد وضعه لمجموعة من المطالب غير قابلة للتفاوض والسابقة على نتيجة المباحثات، وتأييده من قبل الكونجرس الأميركي في مشهد عبثي بامتياز، عاد نتنياهو راضيّاً عن حصيلة الزيارة بعدما تأكد أنه أعاق أي محاولة لقيام الدولة الفلسطينية، وهو ما دفعه في زيارته الأخيرة لإيطاليا للتصريح بكل ثقة ووقاحة "إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني غير قابل للحل".