في ديسمبر 2007، وعندما نشرت مجلة "بيزنس وويك" المتخصصة في مجال المال والأعمال، خارطتها السنوية الخاصة بالتوقعات الاقتصادية لفترة الاثنى عشر شهراً التالية، تنبأ الخبراء الاقتصاديون الـ 54 المشاركون في إعداد تلك الخارطة، بأن اقتصاد الولايات المتحدة "لن يدخل في مرحلة الركود"، وأعلنوا أن العام المقبل سوف يكون عاماً مستقراً. وفي كتابه "ثرثرة المستقبل... لماذا تخفق تنبؤات الخبراء ولماذا نصدقها رغم ذلك"، يقول "دان جاردنر"، الصحفي الكندي، إن هؤلاء الخبراء لم يكونوا وحدهم الذين أخفقوا في التنبؤ بالأزمة القادمة حيث كان هناك كثيرون غيرهم، مثل مجموعة علماء الاقتصاد البريطانيين البارزين والخبراء الدستوريين الذين توجهوا إلى قصر بكنجهام، والتقوا بالملكة ليعربوا لها عن حزنهم العميق بسبب ما وصفوه بأنه "إخفاق جماعي للخيال" كان سبب كونهم لم يستطعوا التنبؤ بأزمة الديون التي أصابت بريطانيا بأفدح الأضرار. والحقيقة أن المتعة التي يشعر بها القراء وهم يقلبون صفحات هذا الكتاب، تنبع من المحاولات اليائسة التي يقرؤون تفاصيلها في طياته، والتي قام بها كبار الخبراء الاقتصاديين للتنصل من مسؤوليتهم عن التنبؤات العقيمة التي قدموها قبل الأزمة. يكمن جزء من المشكلة كما يقول المؤلف في غياب مبدأ المحاسبة داخل المهنة التي يتم التنبؤ بشأنها. فعندما يقوم خبير في مجال ما بتقديم تنبؤ أو توقع، فإن ما يحدث عادة هو أن الصحفيين يهرعون نحوه لكي يسجلوا كل كلمة يقولها، وينسجوا بشأنها ما يريدون من تصورات. المشكلة في نظر المؤلف هي أنه لا أحد من هؤلاء يتذكر ما قاله ذلك العالم أو الخبير عندما تخفق توقعاته، أو لا تتحقق تنبؤاته. ويقسم جاردنر العلماء إلى نوعين: ثعالب تعرف أشياء كثيرة متنوعة، وقنافذ تعرف شيئاً واحداً كبيراً. والمنتمون إلى القنافذ يمتلكون في رأيه نطاقاً ضيقاً من الخبرات والمهارات العملية، ويميلون عادة للتوصل إلى تنبؤات جريئة ومتفائلة.وهذه التنبؤات عادة ما تكون أبسط وأكثر إثارة للمتعة من تنبؤات "الثعالب"، مما يجعلها تستأثر باهتمام الإعلام. لكن احتمال إخفاق هذه التنبؤات عادة ما يكون أكبر بكثير من احتمال إخفاق مثيلاتها لدى الثعالب الذين يتوافر لديهم نطاق أوسع من المعلومات والمعطيات والخبرة، ويستطيعون النهل منها، وعادة ما يكونون أكثر حرصا في تنبؤاتهم مقارنة بالقنافذ المتهورين. والحقيقة، يقول المؤلف، أن علماء الاقتصاد، وخبراءه ليسوا الوحيدين الذين يتعرضون لنوبات متكررة من الفشل في تنبؤاتهم. فهذا ينطبق على غيرهم من علماء السياسة مثلا. فمن من هؤلاء يستطيع القول صادقا إنه كان يستطيع التنبؤ بأحداث الربيع العربي؟ لا شك أن الاعتبارات والنواحي السكانية تعد عنصراً مهماً يعتمد عليها التنبؤ المستقبلي، لكن ذلك لا يحول دون القول إن التنبؤ ليس بالسهولة التي قد يبدو عليها للوهلة الأولى. فبالكاد يمكن القول إن أحداً من الخبراء نجح في التنبؤ بقدوم حقبة ازدهار المواليد baby boom في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.كذلك نجد أن حركة حماية البيئة الحالية قد تعرضت لكثير من الحرج والانتقادات، بسبب الفشل المتكرر لتوقعاتها بحدوث كارثة بيئية وشيكة نتيجة للتغييرات المناخية. ويستشهد المؤلف هنا بكتاب "بول إهريتش" المعنون "القنبلة السكانية" الصادر عام 1968، والذي تنبأ فيه بنمو سكاني يفوق قدرة الدول المختلفة على توفير الطعام لسكانها، فرسم صورة قاتمة عن المستقبل المفعم بالمجاعات والمآسي خلال العقد التالي (السبعينيات) وهو ما لم يحدث بالطبع! ليست هذه كل الأمثلة التي أوردها المؤلف في كتابه عن التنبؤات الخائبة. فهناك الكثير غيرها، بيد أن القارئ يخرج من الكتاب بانطباع راسخ مفاده أن التنبؤ بالمستقبل مهمة متعذرة إن لم تكن مستحيلة أحياناً. ولا يتعارض هذا مع القول بوجود أشياء قابلة للتنبؤ، كتلك التي يعرفها رجال التأمين على الحياة، وتعرفها البنوك التي تمنحنا بطاقات الائتمان، وأصحاب المتاجر الذين يراهنون بطريقة ما على أن نكون من زبائنهم الدائمين. ويقدم المؤلف في نهاية كتابه نصائح للعاملين في مجال التنبؤات، منها: ألا يحاولوا التنبؤ بأشياء مازالت في طور السيولة والتشكل. وتجنب الخوض في أحاديث عن أشياء كبيرة كالقنابل السكانية مثلا. والبعد عن التنبؤات المتعلقة بنهاية الحروب أو نهاية الموارد أونهاية التاريخ! وعدم التحديق عميقاً في المستقبل حتى لا يسقطوا على وجوهم لأنهم لم ينظروا أمامهم. سعيد كامل الكتاب: ثرثرة المستقبل لماذا تخفق تنبؤات الخبراء ولماذا نصدقها رغم ذلك المؤلف: دان جاردنر الناشر: فيرجين بوكس تاريخ النشر: 2011