كثير من السودانيين فرحوا بالإعلان الذي صدر عن الرئيس الجنوب أفريقي يوم الاثنين الماضي حول اتفاق جنوب السودان وحكومة السودان لتجاوز أزمة أبيي مؤقتاً، والتزام البشير بسحب القوات السودانية المسلحة من المنطقة التي استولت عليها داخل حدود "الدولة الجنوبية"، وموافقته على الاقتراح الأفريقي باعتبار منطقة أبيي منطقة محايدة، وتكليف القوات الإثيوبية بتولي أمر الأمن هناك، وتشكيل إدارة أهلية مشتركة بين قبائل "الدينكا" وقبائل "المسيرية" في المنطقة. كثير من السودانيين كانوا، وما يزالون- يخشون من أن تكون مشكلة أبيي والقضايا العالقة هي الفتيل الذي يعيد اشتعال نيران الحرب الأهلية بين الدولتين الشقيقتين. تلك الحرب التي عرف الشعب السوداني واختبر بالفعل قساوتها ومآسيها وخسائرها في الأنفس والأموال، وفي تعطيل التنمية وفقدان السودان سنوات عزيزة من عمره، وما خلفته من مرارات وآثار، لا أظن أن تجاوزها قد يتم في وقت وجيز. فمشكلة مثل هذه الحروب، التي تختلط فيها الأمور بالتاريخ والجغرافيا والأعراق، ويفقد معها بعض القادة وأتباعهم عقولهم، تظل آثارها مسيطرة على المستقبل وتظل الثأريات هي الهدف للعامة من الطرفين، إلا إذا أنعم الله القادر على كل شيء على البلاد بقادة وزعماء وهبهم من حكمته الإلهية ما يجعلهم قادرين على السمو والترفع على دعوات الثأر والانتقام. أقول إن إعلان الاثنين الماضي قد سرَّ كثيراً من السودانيين الطيبين والبسطاء، والذين تعبوا -بكل معنى التعب- من حرب طويلة لم يعرفوا -وما يزالون- لها أسباباً عقلانية وأخلاقية أو وطنية. لكن الاتفاق الأخير (كما نرجو) الذي سرَّ كثيراً من السودانيين صحبته، مع الفرحة والسرور، شكوك مؤسسة، أن يصبح مثله مثل كثير من الاتفاقات التي عقدتها الإنقاذ مع السودانيين ومع المجتمع الدولي، وتراجعت عنها حتى أصبح في صدق وعودها وعهودها حتى مع الذين تحالفوا معها وشاركوها المسؤولية في حكومة الوحدة الوطنية، مضرب الأمثال. المهم الآن، أن الجنوب يتجه خلال أيام معدودة (9 يوليو) إلى إعلان دولته المستقلة وتستعد جوبا وغيرها من الجنوب، وتتهيأ لليوم الموعود، ووجهت حكومة الجنوب الدعوة لرؤساء الحكومات الصديقة والجيران والدول الأجنبية التي ساهمت وعملت بلا كلل، للوصول إلى اتفاق نيفاشا الذي كانت ثمرته الكبرى للسودان إيقاف نزيف الدم الأهلي، وإيقاف الاقتتال، وكانت جائزته الكبرى للجنوبيين الاستفتاء حول المصير، الذي انتهى باختيار الجنوب الانفصال عن الدولة السودانية التي قامت يوم الأول من يناير عام 1956. ومن حق بقية السودانيين أن يأملوا ويطلبوا من "البشير" أن يلتزم وينفذ ما أعلنه عندما أعلن الجنوب اختياره الانفصال، بأن تكون حكومته وشخصه أول المعترفين بدولة الجنوب، وأن السفارة السودانية في جوبا ستكون أول سفارة تفتح أبوابها هنالك، وبذلك (الإضافة من الكاتب)، سيكون سفير السودان في جوبا عميد السلك الدبلوماسي الأجنبي، كما جرت العادة والعرف الدبلوماسي. عمادة السلك الدبلوماسي ليست منصباً رسمياً، ولكن لو قام البشير بتلك الخطوة فسيكون لها مردودها الحسن، وهي تعبير عن حسن النوايا التي يمكن أن تتطور في مجالات التعاون في المصالح المشتركة. لكن الخوف أن يسيطر في الساعات الأخيرة، ذلك التيار المتشدد بلا داع، والذي لم يستطع حتى اليوم أن يفهم أن استقلال الجنوب قد أصبح حقيقة، وأن التعامل مع هذه "الدولة الجارة" الجديدة، يجب ألا يجري معها كما جرى التعامل مع المتمردين الجنوبيين، وأن أي خطوة غير محسوبة ضد الدولة الجديدة (التي ستصبح عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة) ستقود إلى خطوات خطيرة تعود بمزيد من المآسي والآلام والمتاعب على الشعب السوداني، وليست على حكومة "الإنقاذ" وحدها. دعوة الرئيس السوداني بأن يتحمل المسؤولية عن سلامة وأمن الشعب والبلد، تصدر عن صدق وخوف على السودان، الذي هو وطننا جميعاً مهما اختلفت معنا حكومة "الإنقاذ" وصور لها الوهم والعمى السياسي أن البلد بلدها وحدها. فالسودان أكبر وأهم من كل نزاعاتنا وخلافاتنا جميعاً.