فجأت قفزت الحرب في ليبيا إلى الواجهة وأصبحت من أهم المغامرات العسكرية في التاريخ الأميركي المعاصر، والأمر لا يرجع إلى أهمية خاصة تكتسيها ليبيا بالنسبة للمصالح الأميركية، بل إلى قرار اتخذته المؤسسة الرسمية في واشنطن بأن تصبح ليبيا مهمة فأصبحت كذلك، وهو ما يذكرنا بمقولة "نابليون": إذا أردت أن تأخذ فيينا فقط اذهب وخذها، وبالمثل إذا استثمرت أميركا كل هذا الجهد في ليبيا، فمن الأفضل أن يكون العائد على الاستثمار مجزياً، فلو تُرك القذافي في السلطة فسيستأنف من حيث توقف ويبدأ مجدداً في ذبح شعبه، ومن المرجح أيضاً أن يعود إلى أساليبه السابقة في دعم الإرهاب العالمي، والنتيجة تعرض "الناتو" -ومعه أميركا- لإذلال كبير سيتردد صداه في العالم، وسيستنتج قادة آخرون منشغلين بقتل مواطنيهم أن جعجعة الغرب أقوى من طحينه. ثم لو انسحبنا دون تحقيق المهمة، فسيتعرض حلفاؤنا لضربة قاسية وسيتساءلون ما إذا كانت عزيمة أميركا واهية إلى هذا الحد. لكن بالمقابل لا يمثل الاستمرار على نفس النهج في ليبيا خياراً جذاباً، لاسيما عندما يتعلق الأمر بصراع أوباما مع الجمهوريين والكونجرس، إذ بينما يصر الرئيس على أن قانون صلاحيات الحرب لا ينطبق على الحالة الليبية، فإنه لا أحد يصدق ذلك، لذا قرر منذ البداية تجنب الصراع والمضي قدماً في الحرب دون اللجوء للكونجرس! ومع ذلك لا شيء يحدث في الأجواء الحزبية بعيداً عن التوافق، لذا لاحظنا ردة فعل الجمهوريين العنيفة في الكونجرس ولجوئهم إلى النفاق وعدم المسؤولية في المطالبة بسحب القوات الأميركية من ليبيا، ما دفع ماكين وجراهام لتحذير حزبهما من السقوط في فخ الانعزالية. والمشكلة مع جراهام وماكين أنهما لا يملكان ما يكفي من السلطة الأخلاقية والفكرية للتأثير في الحزب ودفعه لعدم الانجرار نحو ردود أفعال صبيانية، كما أنه رغم خطورة ما يدعو له الجمهوريون عندما يستعجلون الانسحاب من ليبيا وأفغانستان، فإن ذلك يبقى بعيداً كل البعد عن الانعزالية لأن هذه الأخيرة فكر متماسك وعقيدة لها مقوماتها في الفكر السياسي الأميركي وليست مجرد نزوة أو ردة فعل. وأكثر من ذلك فالرجلان يساهمان من حيث لا يدريان في إحياء هذه الفكرة الخطيرة عندما يقذفان بها في وجه المعارضين من الحزب الجمهوري، فالانعزالية ليست اتهام يُرمى به كل جمهوري يعارض الحرب، أو كل من أبدى تململاً من الحروب الأميركية الطويلة، لأنه بهذه الطريقة سينضم إليها الأميركيون دون وعي مادامت ترتبط لديهم بالانسحاب من بؤر النزاع سواء في ليبيا أو غيرها. وبالطبع ما كان لماكين وجراهام أن يضطرا للتحذير من الانعزالية لو كان أوباما لجأ إلى الكونجرس لتأمين موافقة سهلة على العمليات العسكرية في ليبيا، بيد أن تركيزه على حملته السياسية، وحرصه على الأصوات، وتعرضه لمزيد من الاستنزاف الجمهوري، جعلته يفضل الانتظار علَّ شيء يحدث يوفر عليه الصراع السياسي، مثل سقوط صاروخ على مقر القذافي وإنهاء العملية، غير أن ما حدث هو فراغ في القيادة داخلياً وخارجياً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جونا جولدنبرج كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"