تمثل الزيارة التي ستقوم بها سيدة أميركا الأولى، ميتشيل أوباما، إلى أفريقيا والموجهة لدعم برامج محاربة الإيدز، فضلا عن إلهام الشباب في القارة، خطوة هامة، على حد وصف البيت الأبيض، ضمن جهود الإدارة الحالية في التواصل مع القارة الأفريقية والاهتمام بمشاكلها العديدة. لكن الزيارة أيضاً تعيد إحياء بعض الانتقادات القديمة التي عادة ما يوجهها للإدارة النشطاء المتحمسون للدفاع عن القارة الأفريقية، بمن فيهم مؤيدو أوباما نفسه الذين عبروا عن إحباطهم من أن أول رئيس أميركي من أصول أفريقية لم يهتم بما فيه الكفاية بالقارة السمراء، ويعدد المنتقدون مجموعة من المظالم؛ مثل تعديل أوباما لبرنامج مكافحة الإيدز الذي أقره سلفه بوش، والوقت المحدود نسبياً الذي أمضاه أوباما في القارة، واعتقادهم بأن أفريقيا أصبحت أقل أهمية في سلم أولويات الإدارة الحالية. وترجع هذه الانتقادات ربما إلى حجم التوقعات الكبيرة التي كان ينتظرها المراقبون من إدارة أوباما في علاقتها مع القارة السمراء، لاسيما في ظل الزيارات السابقة التي قام بها أوباما قبل توليه الرئاسة إلى موطن أبيه في كينيا، والاهتمام الذي كان يبديه بالدول الأفريقية عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ. لكن وفيما تحدث أوباما عن "أفراد العائلة الذين مازالوا يعيشون في القرى بكينيا"، وصرح لموقع إلكتروني أفريقي بأنه "ضليع في التاريخ الأفريقي"، يبقى أنه لم يقم سوى بزيارة واحدة إلى القارة طيلة السنوات التي قضاها في البيت الأبيض، وخلال الزيارة الوحيدة التي حملته إلى غانا في عام 2009 تحدث أوباما أمام البرلمان المحلي عن والده الذي كان يرعى قطعان الماعز في قرية صغيرة، وطرح مقاربته لتقديم الدعم للقارة قائلاً "إن مؤشر النجاح الحقيقي ليس ما إذا كنا سنقدم دعماً متواصلا إلى أفريقيا، بل ما إذا كنا شركاء في بناء القدرة على إحداث التغيير". بيد أن التحديات الكبرى التي تواجه القارة في مجالات الفقر والفساد الحكومي، وخطر التطرف والإيدز، وغيرها... لم تنجح، حسب "موزيرا مونتالي"، مديرة المنتدى الأفريقي الأطلسي، في جذب انتباه أوباما، مضيفة أن المسؤولين الأميركيين "لا ينظرون إلى القارة الأفريقية باعتبارها أولوية". ويشير "سباستيان سبيو جاربرا"، مدير إحدى الشركات النيويوركية المهتمة بأفريقيا، إلى ما يعتبره المفارقة التي تنطوي عليها خيبة أمل المراقبين، وذلك بقوله: "لقد اعتقدنا بأنه مع تولي رجل أسود الرئاسة في الولايات المتحدة فسيتزايد الاهتمام بأفريقيا، لكننا عندنا إلى نفس مستويات الاهتمام في السابق دون تغيير حقيقي. فمازالت السياسات نفسها الموروثة عن بوش وكلينتون دون تغيير، ولم تتضح بعد سياسة أوباما الخاصة في هذا المجال". لكن بالمقابل، يعارض المسؤولون في البيت الأبيض مثل تلك الأحكام، معتبرين أن الإدارة الحالية بسطت مجموعة من الأولويات بشأن القارة؛ منها دعم الأنظمة الديمقراطية، وتقليص المجاعة، وتطوير مبادرة صحية موجهة للقارة بتمويل يصل 63 مليار دولار، وهو برنامج يسعى إلى دمج برنامج بوش لمكافحة الإيدز ضمن مقاربة شمولية للقضايا الصحية. وفي هذا السياق أكد "بن رودز"، نائب مستشار أوباما للأمن، أن أوباما التقى بقادة نيجيريا والجابون خلال الشهر الجاري، كما استضاف في العام الماضي مجموعة كبيرة من الشباب الذين تم اختيارهم من القارة للمشاركة في منتدى نظمه البيت الأبيض، وفيما حال جدول أعمال أوباما الضيق دون زيارته للقارة الأفريقية، يقول رودز، إلا أن الرئيس قام ببث رسائل صوتية يطالب فيها بانتقال سلمي وديمقراطي للسلطة في ساحل العاج، وبإنهاء العنف في السودان. لكن يبقى المصدر الأساسي للانتقادات، هي تلك الآراء التي ركزت على جهود أوباما في مكافحة الإيدز، وتعديله البرنامج الذي أقره سلفه بوش في هذا الخصوص. فقد تقلص البرنامج تحت رئاسة أوباما، كما تراجعت برامج العلاج لدى بعض المنظمات في أفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما حدا بـ"حملة علاج الإيدز" التي تضم مجموعة من النشطاء في جنوب أفريقيا بتوجيه رسالة إلى أوباما تتهم فيها إدارته بالتراجع عن التزامها السابق بمعالجة المرض العضال. وفي هذا السياق تقول "فضيلة فاروق"، الناشطة الاجتماعية في جوهانزبيرج في مكالمة هاتفية: "إنه لمن العار أن يتراجع الدعم الأميركي بعدما خضنا معارك شرسة مع الحكومة هنا للاعتراف بمشكلة الإيدز وتوفير العلاج للمصابين". لكن "رودز" يعتبر هذا الجدل المحتدم حول برنامج مكافحة الإيدز إنما يعكس اختلافاً في وجهات النظر والأساليب الواجب اتباعها لمعالجة الأزمة، حيث فضلت الإدارة التركيز أكثر على الوقاية مع الحفاظ على الدعم الموجه للعلاج. ويرى "ردوز" أن التحليل الذي خلصت إليه الإدارة "هو الحاجة إلى تطوير أنظمة الرعاية الصحية في البلدان الأفريقية لمواجهة معضلة الإيدز على المدى البعيد وليس الاكتفاء فقط بمعالجة أعراض آفة الإيدز المتمثلة في توفير العلاجات الفيروسية للمصابين"، مضيفاً أنه من المشاكل الأخرى التي تواجهها الإدارة إقناع صقور الكونجرس بأهمية الاستمرار في تقديم المساعدات الخارجية للبلدان التي تحتاجها. وتبقى العلاقات بين أوباما وأفريقيا حساسة ومشحونة، لما تمثله من تحديات سياسية للرئيس في ظل ادعاء البعض بأنه ولد في كينيا وليس في الولايات المتحدة. كريسا تومبسون كاتب مختص في الشؤون الأفريقية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"