أن تتواجد في العاصمة الأميركية "واشنطن"، فإن ذلك يعني الكثير... فهي العاصمة الأكثر سخونة وحركة، حيث "تنضج" الأحداث السياسية على نار هادئة، و"تطبخ" نتائجها وتداعياتها ومن ثم تقدم لك على طبق فاخر، مغلف بورق ناعم الملمس، يبرق نوره للأعين، فتكاد ترى ملامحها حتى قبل أن تطلع على ما تخفيه تلك النعومة.
ولكن أن تكون في "واشنطن" في السنة الانتخابية، فإن ذلك يعني أكثر مما تتوقعه. فهو يعني أولا تلك الممارسات الديمقراطية التي يجري باسمها القليل من الأشياء في العلن، والأكثر منها في الخفاء. وهو يعني ثانياً تدفق هذا الكم الهائل من المعلومات والأرقام التي توسع مداركك في عملية إثراء للأفكار لديك. وهو يعني ثالثاً الاطلاع على جميع المدارس الفكرية وخطاباتها السياسية وتفاعلاتها الاقتصادية في إطار أحداث تظن في لحظة معينة أن الجميع لا يدرك حقيقة ما يجري لا في السر ولا في العلن!
هذا هو حال "الطبخة السياسية" التي تعد الآن، إن صح التعبير، في السباق للوصول إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة بالجلوس في المكتب البيضاوي في الموقع 1600 بشارع "بنسلفانيا" في قلب العاصمة الأميركية.
قضيت أسبوعاً في "واشنطن" قبل أن أنتقل إلى ولاية "نورث كارولينا" على بعد حوالي ساعة بالطائرة باتجاه الجنوب. وخلال هذا الأسبوع كان البرنامج حافلا بالزيارات لأكثر المنخرطين في الشأن السياسي الأميركي، بدءاً من خبراء في مجال إعداد استطلاعات الرأي، ومروراً بالمحللين السياسيين والمفاتيح الانتخابية التي تروج لهذا المرشح أو ذاك، وجامعي المعلومات عن المرشحين سواء المرشح الذي يؤيده جامع المعلومات
(Data Collector)، أو المرشح المنافس له... الخ.
النفط سيكون هو عامل الحسم في إدارة ماكينة العملية الانتخابية الأميركية... تدور حوله الحروب، وتحاك للسيطرة على مصادره ومنابع تصديره المؤامرات، لأنه ببساطة شديدة هو المحرك الأول لسياسات العالم.
ودعونا نسأل أنفسنا السؤال التالي: ما الذي سيتغير في السياسة الأميركية تجاه الوضع في العراق لو فاز "جورج بوش" أو "جون كيري"؟. هل هناك ما يشير في الأفق إلى أن "كيري"، في حال فوزه، سوف يسلك خطاً مغايراً بصورة دراماتيكية لمسلك السياسة التي يتبعها "بوش"؟. الإجابة موجودة في تصريحات "جون كيري" التي أدلى بها بنفسه عن موقفه من العراق... فهو لن يخرج عن الإجماع الوطني الأميركي من أن الحرب على نظام الديكتاتور صدام حسين البائد هو جزء من الحرب على "الإرهاب"، وبالتالي فإن المواطن الأميركي مازال على استعداد للذهاب بعيداً في التضحية بالمال والأرواح في سبيل تعديل الأوضاع في العراق حتى لو بقيت القوات الأميركية متواجدة هناك لعشر سنوات قادمة.
إذا لابد للمرشحين للرئاسة، "بوش" و"كيري"، من البحث عن مخرج آخر للوصول إلى صوت الناخب الأميركي. وبما أن هناك مؤسسات تعمل في الخفاء ومن تحت الطاولة لتحديد مسار العملية الانتخابية، فإن العنصر الأساسي بالنسبة لهؤلاء هو عامل الاقتصاد المرتبط مباشرة بالنفط وبالأسعار في سوق النفط.
وفي ظل الارتفاع غير المسبوق الذي تشهده أسعار النفط بين الحين والآخر، وتجاوز سعر النفط حاجز الـ40 دولاراً للبرميل منذ سنوات وعقود طويلة، فإن النفط سوف يكون هو المفتاح الذي سيحدد اسم الشخص الذي سيجلس على الكرسي الرئاسي في البيت الأبيض للسنوات الأربع القادمة... ولنا في هذا مقال آخر وحديث أشمل.