يعد النقل الجوي من أكثر وسائل النقل أماناً وفعالية عكس ما قد يبدو للوهلة الأولى لكثيرين أن تحليق مركبة تزن عشرات الأطنان في الجو مخاطرة كبيرة، وأقل خطأ قد تنجم عنه كارثة. إلا أن الحقائق تشير إلى أن عدد ضحايا حوادث الطيران لا يكاد يذكر إذا ما قورن بأكثر وسائل النقل جماهيرية مثل السيارات. فالبشر يتعلمون من أخطائهم، فقد شكلت الكوارث الجوية التي وقعت طوال العقود الماضية دروساً مكنت القائمين على صناعة الطيران من اتخاذ إجراءات لتفاديها وتقليص احتمالات وقوع الخطأ التقني أو البشري إلى أدنى حد ممكن. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على التكنولوجيا النووية التي تعمل دولة الإمارات على الاستفادة منها ببناء 4 محطات لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، والتي من المقرر أن تبدأ بإمداد شبكة الإمارات بالطاقة الكهربائية بحلول عام 2017. فالدولة لن تقيم مثل هذه المنشآت النووية دون اتخاذ أعلى التدابير الوقائية وتقليص احتمالات الخطأ إلى ما يقارب الصفر خاصة مع الجدل العالمي الذي أثير حول الصناعة النووية السلمية بفعل حادثة مفاعل "فوكوشيما" اليابانية بعد تأثرها بالزلزال والتسونامي المدمرين بداية شهر مارس الماضي. صحيح أن الأخبار تواترت من الشرق والغرب عن إعادة الدول الكبرى والصناعية النظر في تكنولوجيا توليد الطاقة من المحطات النووية، وهي في الأصل دول سباقة في هذا المجال ولديها محطات تعمل منذ عقود، إلا أن تكنولوجيا السلامة النووية تطورت طوال هذه السنوات.. فليس من المنطق أن يتم العمل حاليّاً بنفس مواصفات واشتراطات السلامة في محطة بنيت قبل 60 عاماً مع محطة تُنشأ حديثاً.. فالعلم تطور والبشر يستفيدون من الأخطاء. وقد أكدت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية قبل أيام على لسان رئيسها التنفيذي أنها شكلت لجنة عقب حدوث كارثة "فوكوشيما" اليابانية، لمعرفة الدروس المستفادة من تلك الحادثة، وأن محطة الطاقة النووية الإماراتية تعتمد أعلى معايير السلامة، وأن نسبة احتمال حدوث أضرار نتيجة الزلازل أو البراكين أو المد البحري لا تتجاوز نسبة واحد في المليون. ويحسب لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية وللهيئة الاتحادية للرقابة النووية تعاملهما الشفاف مع المخاوف الناجمة عن مثل تلك الأخطار المحتملة ومبادرتهما إلى تبديدها بالإعلان أن الإمارات تطبق أعلى معايير السلامة والأمان في هذا البرنامج، وأن المحطات النووية ستكون بإذن الله في مأمن من التسرب الإشعاعي حال وقوع أي سيناريو محتمل -لا سمح الله- كوقوع زلازل وبراكين أو موجات تسونامي، هذا عدا عن كون المنطقة التي يقام فيها المشروع تقع في براكة بالمنطقة الغربية وتبعد 50 كيلومتراً من الرويس، وهي أقرب تجمع سكاني. أما من ناحية تصميم المفاعلات النووية فيما يخص السلامة فالهدف الرئيسي هو حصر واحتواء الإشعاع مهما بلغت التكاليف، حيث يوضع قلب المفاعل ضمن وعاء ضخم من الصلب، ويتم تضمين هذا الوعاء في مبنى الاحتواء، وهو عبارة عن هيكل من الصلب والخرسانة المسلحة. ومن معايير السلامة المطبقة فإن مبنى الاحتواء في تصميم محطة الإمارات النووية يمتاز بصلابة ومتانة كبيرة، ويحاط بجدران من الخرسانة المسلحة تصل سماكتها إلى مترين، ويصمم بشكل يضمن قدرته على مقاومة الحوادث الخطيرة مثل أقصى درجات الزلازل المتوقعة في الدولة، والحرائق والهجمات الصاروخية أو التأثير المباشر لحادث تحطم طائرة. إن هذه المعايير المطبقة جعلت مسؤولين حكوميين وخبراء في مجال الطاقة من جميع أنحاء العالم يصفون برنامج الإمارات النووي بأنه "المعيار الذهبي للبلدان التي تخطط للبدء في تطوير برامج مدنية للطاقة النووية". إن القائمين على هذا المشروع النووي السلمي مطالبون بزيادة جرعات الوعي والتواصل المجتمعي وبناء جسور الثقة مع أبناء الوطن، ونأمل الاستمرار في شفافيتهم المعهودة بإطلاع المجتمع على كافة خطوات هذا المشروع الوطني الرائد.