تعي دولة الإمارات أهميّة موقعها الجغرافي المتميز الذي يتوسّط العالم، فانطلقت منذ نشأتها لاستثماره بشكل أمثل بما يخدم اقتصادها الوطني، وقد تعاملت الدولة مع هذا الموقع تماماً كما تتعامل مع الموارد الاقتصاديّة الملموسة، واعتبرته مورداً يمكن توظيفه في خدمة أهداف التنمية، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى مواردها النفطيّة، ومواردها السياحية، ومواردها في قطاع الطاقة المتجدّدة. ونتيجة لهذا التعامل المتميز استطاعت الدولة أن تبني نشاطاً مزدهراً لإعادة التصدير يندر وجوده في أيّ بقعة في العالم، حتى أصبح نشاط إعادة التصدير يمثل حلقة وصل مهمّة بين مسارات التجارة العالمية من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، واستطاعت الدولة أن تصبح أحد مراكز الخدمات اللوجيستيّة المتميّزة على مستوى العالم، ما أهلها لاحتلال المرتبة الأولى بين الدول العربية، والمرتبة الرابعة والعشرين عالمياً وفقاً لـ "مؤشر أداء القطاع اللوجيستي" لعام 2010 الصادر عن "البنك الدوليّ" حديثاً. كان تطوير البنى التحتيّة والتكنولوجيّة أحد أوجه الاستثمار المثلى للموقع الجغرافي لدولة الإمارات، فالجهود الحثيثة التي بذلتها الدولة لتطوير هذه البنى وضعتها بين الدول الأكثر صلاحية لممارسة الأنشطة الاقتصاديّة جميعها، بما فيها نشاط إعادة التصدير، ونشاط الخدمات اللوجيستية، ولذلك احتلّت الدولة المرتبة الأولى عربياً، والسابعة عشرة عالمياً وفقاً لـ "مؤشر البنى التحتيّة الخاصة بالقطاع اللوجيستي" الخاص بـ "البنك الدولي" أيضاً. وبالتوازي مع ذلك نجحت دولة الإمارات طوال السنوات الماضية في تطوير أطرها التشريعية والتنظيمية الخاصّة بممارسة الأنشطة الاقتصادية، بما فيها أنشطة الخدمات اللوجيستية، وقد ساعد ذلك على أن تصبح ممارسة هذه الأنشطة في الدولة على درجة عالية من المرونة والسهولة، وبات في مقدور المؤسّسات العاملة فيها العمل من دون عوائق أو قيود غير منطقية، ما يساعد على تحسين كفاءة الخدمات اللوجيستية في الدولة بشكل لافت للنظر، وأهّل الدولة لتحتل المرتبة الأولى عربياً وفقاً لـ "مؤشر كفاءة القطاع اللوجيستي" لعام 2010. إن الموقع الجغرافي المتميّز لدولة الإمارات، الذي يتوسط قارات العالم القديم، منحها مزيّة تنافسية كبيرة في ممارسة الأنشطة اللوجيستية، كونها تتمتع بدرجات القرب نفسها مع معظم المناطق الجغرافية المهمّة اقتصادياً حول العالم، حيث تعدّ الدولة جزءاً من منطقة الشرق الأوسط صاحبة النصيب الأوفر من احتياطات العالم من مصادر الطّاقة، وهي كذلك جزء من منطقة غرب آسيا ووسطها، ذات الأفق الاقتصادي الواعد، التي تتأهّب لاحتلال موقع متميز عالمياً كمصدر مهمّ للمعادن والمواد الأولية، كما أنها تقع على مسافة قريبة للغاية من القارة الأفريقيّة التي ما زالت تعدّ المكمن الأكبر للموارد الأولية في العالم، وبالتالي فإن تميّز قطاع الخدمات اللوجيستية الإماراتي يمكن استثماره لجعل الاقتصاد نافذة تطل منها دول وسط آسيا وأفريقيا على العالم. كما أن دولة الإمارات لا تفصلها إلا ساعات قليلة عن الاقتصادات الصاعدة في آسيا، التي من بينها الصين المسمّاة حالياً "مصنع العالم"، والهند أحد أكبر مصدّري البرمجيات ومكونات الحاسوب على مستوى العالم، ولا تبعدها سوى ساعات قليلة عن قارتي أوروبا وأميركا الشمالية، القوّتين الصناعيتين الكبريين، وأميركا الجنوبية صاحبة الأفق الاقتصاديّ الواعد، لما تضمّه من قوى صاعدة في هذا الشأن، وهو ما يجعل من موانئ الدولة ومطاراتها معبراً متميّزاً للتجارة الخارجية لهذه المراكز الصناعية العالمية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.