في مقاله الطريف والظريف، "الحياة السياسية... وحتمية الكذب"، أوضح أمبرتو إيكو أن تاريخ الفكر السياسي شهد موقفين متعارضين من جواز ممارسة الكذب في الحياة السياسية، أحدهما حرّمه بالمطلق ورأى فيه انحرافاً ذميماً يهدد بانحلال المواثيق الاجتماعية كلها، والآخر اعتبره من الضرورات المباحة التي لا بأس فيها بالنسبة للسياسي. لكن أطرف مافي المقال هو إشارته إلى شروط قام بتسطيرها أحد المنظرين حول نجاح الكذب السياسي، وأحد هذه الشروط خلاصته أن السياسي الكذاب عليه أن يكون ذا ذاكرة قصيرة، بحيث لا يتذكر ما قاله من قبل كي لا يشعر بالتناقض! والحقيقة أن كثيراً من السياسيين لا يشعرون بأي حرج أو خجل من تناقضاتهم الكثيرة، بل ربما اعتبروا أن كثرة التناقضات دليل على غنى المواقف، ومؤشر إلى البراعة والقدرة على اصطناع المواقف والمشاركة في الجدل العام ولفت الانتباه والفوز بإعجاب الجماهير، ومن ثم بأصواتهم في الألاعيب الانتخابية وصولاً إلى المنصب المنشود، أي بيت القصيد، ومربط الفرس وغاية الغايات! أليس الشعار الخالد لكثير من السياسيين "الغاية تبرر الوسيلة"! عبدالفتاح عمر -باريس