لم يتمكن رجب طيب أردوغان من تحقيق الانتصار الذي كان يصبو إليه ويساعده على تمرير التعديلات الدستورية التي يضعها نصب عينيه هدفاً أساسياً للحكم والتغيير وقيادة تركيا نحو عصر جديد باسم حزب "العدالة والتنمية". ولم يتمكن من اختراق حالات عديدة وإحداث تغييرات نوعية فيها، مثـــل الحالة الكردية، التي توقع كثيرون أن يستميل عدداً من أبنائها ويحقق تقدماً في صفوفها بعد الانفتاح الكبير الذي أبداه في الأشهر الأخيرة والخطوات المهمة التي اتخذها. لكن يبدو أن هذا المزاج لا يزال غير صافٍ تجاه أردوغان وحزبه وسياساتهم. إلا أن ذلك لا يقللّ من أهمية نتائج الانتخابات. ونجاح حزب "العدالة والتنمية" للمرة الثالثة في التوجه نحو حكم البلاد، ولو من خلال ائتلاف هو عموده الفقري والقائد الحقيقي له. الانتخابات بحد ذاتها كانت حالة ديموقراطية مهمة. رأينا فيها الناس، كل الناس، يذهبون إلى صناديق الاقتراع بهدوء وقناعة وفي جو من التنافس الهادئ. وتقبّل النتائج من قبل الجميع حالة ديموقراطية مهمة أيضاً تعبّر عن ثقافة وتربية واحترام لإرادة الناس وقدرة على تحمّل الخسارة وربح الخصم ... والانتخابات كانت لها رمزيتها ليس فقط بفوز حزب "العدالة والتنمية"، بل بذهاب الناس إليها على قاعدة الاختيار بين برامج سياسية مختلفة واضحة ومحددة. حقق الحزب بعض عناوين برنامجه، ولم يحقق الجزء الآخر منه، لأنه كان ثمة معارضة وهذه مسألة مهمة بغض النظر عن الرأي بمضمون ما فعله وما كان يريد فعله . والانتخابات أيضاً أكدت أن أكثرية لا تزال إلى جانب أردوغان وحزبه وأن شعبية الرجل كبيرة والسياسات التي اعتمدت لا تزال مقبولة دون أن تعطيه بالنتيجة صكاً موقعاً على بياض كما يقال. وبالمستوى ذاته من الأهمية، جاء خطاب أردوغان بعد الانتخابات، صحيح أنه حمل طابعاً متفائلاً وكلمات تعبّر عن الارتياح إلى قوة الخيارات وتأثيرها في أوساط الناخبين، لكن الأهم هو التأكيد أن المنتصرة هي تركيا. هي المكونات التركية كلها، والشعب التركي كله، وأن العمل سيكون لمصلحة تركيا ومصلحة كل أبنائها. انتهت الانتخابات وبدأت المسؤوليات. وأولى المسؤوليات الوحدة الوطنية والخدمة العامة للناس والاهتمام بمصالحهم. هذا رقي وموقف حضاري وقمة الوفاء والأمانة. قال لي أحدهم: هذا خطاب القوي. وخطاب المنتصر. قلت: هذا خطاب العاقل الفاعل. لقد انتصر قبله كثيرون. وظهر قبله كثيرون أقوياء لكنهم قالوا كلاماً مختلفاً وإن قالوا كلاماً مشابهاً لكلامه فهم فعلوا عكس ذلك. القوة مهمة، لكن الأهم معرفة استخدامها، وكيفية استخدامها. متى وأي. يمكن أن تكون قوياً ومتهوراً. ولكن يمكن أن تكون قوياً ومتواضعاً. وقوة التواضع ليست قليلة الشأن والتأثير على مستوى الحضور السياسي. كما يمكن أن تكون قوياً وعاقلاً ومنفتحاً ومحباً ومسؤولاً ومدركاً مسؤولياتك وحاضناً للجميع أو محاولاً أن تفعل ذلك. ومتسامحاً. لا تخاف مسائل صغيرة، ولا تأخذك أحقاد أو حسابات قصيرة المدى. هذا هو الإنسان القوي العاقل العادل الفاعل والمؤثر. وعلى هذا الأساس يجب قراءة خطاب أردوغان بعد الانتخابات. وهي فرصة لكي نذهب نحن العرب في مثل هذا الاتجاه. سواء أكنا علمانيين أو إسلاميين أو قوميين أو وطنيين أو ما شابه من الأوصاف والأصناف في الحياة السياسية. المهم هو تفتح العقول والقلوب والنفوس والأفكار. المهم هو عدم الانغلاق. عدم الخوف من الآخر، فإذا أردت أن تكون قوياً فالتحدي هو أن تكون كذلك في ساحة الأقوياء وأمام أمثالك، ومن هم بمستواك. وإذا أردت أن تنتصر، فإن لانتصارك قيمة إذا كان على فريق أو خصم بحجم محترم ومقدّر وكبير ولديه إمكانات، أما الانتصار على الضعيف، فهو استضعاف أو استكبار أو استخفاف وينتقص من قيمتك كسياسي بالتأكيد. من خلال هذه المعادلة يمكن الإطلالة على واقعنا العربي. وما يجري في بعض دوله. فالأحزاب ليست كلها أصولية أو تكفيرية أو خطيرة على حياتنا السياسية. وفي المقابل كم من الأحزاب أوالأنظمة أو الشخصيات التي حملت شعارات وطنية أو قومية أو إنسانية وذهبت في ممارساتها الشنيعة ضد الناس إلى أبعد الحدود؟ المهم، هو إبقاء ساحة التنافس وساحة الحوار مفتوحتين أمام الجميع من خلال قوانين وإجراءات تضمن ذلك، وليقرر الناس ماذا يريدون في نهاية المطاف. والتجربة التركية الأخيرة مهمة في هذا المجال. وينبغي للعرب أن يصحوا سريعاً مما هم عليه الآن ليكونوا موجودين في تقرير مصيرهم. لقد قلنا أكثر من مرة أن مصير منطقتنا يقرر اليوم. ومصير خارطتها على طاولات بازار الكبار مجدداً، وتركيا وإيران وإسرائيل وللأسف هي الدول المحورية في اللعبة الدائرة وذات القدرة على التأثير في هذا الاتجاه أو ذاك. أما العرب فواقعون في فراغ مخيف. ولذلك، لا بد من الحضور ولو بالحد الأدنى أولاً والاستفادة من العلاقة مع تركيا ودورها وإمكاناتها. غازي العريضي وزير الأشغال العامة والنقل البناني