حين ننظر إلى الوراء، نجد أن هناك الكثير ليقال حول إيجابيات ترك الأمور على حالها وعدم التدخل لتغيير شيء ما، لكنه أمر أصعب مما قد يعتقد المرء. فأوروبا الغربية في القرن التاسع عشر ينظر إليها اليوم عموماً باعتبار أنها تشكل قمة الحضارة الغربية. والمؤكد أن الأمر كذلك بخصوص الأدب والموسيقى والفنون التشكيلية. ففي ذلك الوقت، اختُرع الذكاء الغربي الحديث، ومنذ ذلك الحين، جرب العالم تيمات القرن التاسع عشر السياسية بمختلف أنواعها: الوطنية، الكولونيالية، الإمبريالية، الشعبوية، تحرير الطبقات، الثورة، الفوضوية، الحرب الطبقية والعرقية. وبدأت حروب نابليون القرن وغيّرت مؤسساتِه السياسية. ثم أنهت الحرب الفرنسية البروسية القرن، مُعبّدة الطريق للقرن العشرين المدمر. لذلك، ربما كان من الأفضل البقاء في سنوات السلم السابقة. أنهت الإمبراطورية العثمانية القرن في حالة تراجع وتضعضع، حيث كان انفجارها السياسي وشيكاً، وبالأخص في وقت كان فيه الأوروبيون الغربيون يراقبون حرب البلقان والقرم أو يحرضون عليها، حيث سعوا إلى تقسيم وتفتيت إمبراطورية هابسبورج والإمبراطورية العثمانية (ما يعرف بـ"المسألة الشرقية" بالنسبة لرجال الدولة الغربيين في تلك الفترة)، ونجحوا أخيراً في القيام بذلك تحديداً، فيما أُطلق عليه -وعن صواب- اسم "الحرب العظيمة". وقد نشرت صحيفة "ذي إنترناشيونال هيرالد تريبيون" الأميركية قبل بضعة أيام مقالًا لـ"أنثوان شديد"، كتبه من "جازيانتيب" التركية، وهي مدينة مجاورة لسوريا كانت ذات أهمية استراتيجية خلال الحروب الصليبية ومركز المقاومة التركية للاحتلال الفرنسي عام 1920 -1921، ووصف فيه الكاتب شوق وحنين سكانها إلى الماضي العثماني، عندما كان الأتراك والسوريون "أشقاء". "ما الذي يقسمنا حقاً؟"، يسأل أحد السكان الذي تحدث معه "شديد" في جازيانتيب، وهو مولود في الجانب الآخر من الحدود، أي في سوريا التي كانت في الماضي ولاية عثمانية، وقبل ذلك مركزاً للإمبراطورية العربية. وكتب شديد حول إمكانية تأسس هويات جديدة (أو معاد إحياؤها) فيما كان ذات يوم بلاداً واحدة (الدولة التركية حلت محل الدولة العثمانية في عام 1923 فقط). ذلك أن السوريين يلجؤون هذه الأيام إلى الحدود التركية هرباً من نظامهم وقواته الأمنية، وجيشه الخاضعين لسيطرة الأسد. وقد ندد كل من رئيس الوزراء التركي والمفوضة الأممية لحقوق الإنسان علناً بهذا "القمع العنيف" للاحتجاجات السورية. وخلال أوج قوة الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر، لم يتوقف توسع الأتراك وتمددهم إلى البلقان وأوروبا الوسطى إلا عند فيينا. ويمكن اعتبار حرب الانقسام اليوغسلافية الأخيرة، والتي حاول خلالها الصرب والكروات طرد البوسنيين المسلمين من يوغسلافيا السابقة، أحدثَ حلقة في هذه الحرب التي يبلغ عمرها قروناً من الزمن. أما إمبراطورية هابسبورج، فقد كانت تقليدية أكثر في الأصل، وإحدى نتائج الإقطاعية وحروب العائلات الحاكمة، فانشطرت وتفتتت على غرار الإمبراطورية العثمانية بسبب النزعات الوطنية التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر، ويعتقد على نطاق واسع أنها كانت إحدى نتائج الثورة الفرنسية، لكنها قد توصف على نحو أدق باعتبارها إحدى نتائج التعليم. فوقتئذ، كان فلاحو أوروبا وقرويوها يعرفون من هم، وكذلك الحال بالنسبة للارستقراطيين. لكن مع انتشار التعليم وتقلص الأمية بعد الإصلاح الديني المسيحي، تشكلت طبقة من المعلمين والمثقفين الطامحين الذين لم يكتفوا بالبقاء كرعايا السلبيين لملوك وارستقراطيين غير جديرين بمكانتهم، وكانوا يرغبون في معرفة وتزيين أصل وتاريخ بلدانهم الأصلية، والاحتفاء بهويتها القديمة وقيمها المفترضة، وحكمها بأنفسهم في نهاية المطاف. وأخيراً وافق أقاربهم الأميركيون المهاجرون على ذلك، وبحلول أوائل القرن العشرين كان المرشحون الرئاسيون الأميركيون يعدون بتحرير البلدان المقموعة في "البلاد القديمة"، مثل ويلسون وجميع الرؤساء الآخرين. وبحلول منتصف القرن، كان أحد أهداف إدارة روزفلت لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، هو إنهاء الإمبرياليتين الفرنسية والبريطانية. وهكذا، انتهت الإمبراطوريات الأوروبية. لكن، هل استفاد رعاياها السابقون؟ الواقع أن المرء إذا تأمل الحرب اليوغسلافية، والفوضى الناتجة عن وجود إسرائيل في الشرق الأوسط، وحروب أميركا وتدخلات عسكرية أخرى في المنطقة العثمانية السابقة، فأغلب الظن أنه لن يجيب بالإيجاب. أما ما كان في الماضي عالم هابسبورج، فقد بات اليوم بشكل عام مكاناً مختلفاً ينعم بالسلام. فقد أبقت الحرب الباردة على أوروبا الشرقية تحت الاحتلال السوفييتي، لكن في غضون ذلك أنشئ الاتحاد الأوروبي من قبل الأوروبيين الغربيين الذين كانوا قد ضاقوا ذرعاً بالحروب، مقتنعين بأنه لابد قبل كل شيء من إدخال ألمانيا ضمن نظام أوروبي يستطيع ترويضها. وهو أمر تكلل بالنجاح، على اعتبار أن سبعاً وعشرين دولة، كانت جميعها في لحظة أو أخرى جزءاً من أنظمة إمبريالية أو قومية أو متعصبة تعتبر عرقها هو الأسمى في الكون، باتت اليوم تتعايش بسلام. لقد كان إنجازاً كبيراً لأن قلة قليلة في عام 1945 كانت تعتقد أن هذا الاتحاد يستطيع أن ينجح، في حين أنه في عام 1939 لا أحد كان يتجرأ حتى على مجرد تخيل ذلك. والواقع أن تركيا كافحت على مدى سنوات لتصبح عضواً في هذه المجموعة الأوروبية للسلام، لكن دون نجاح. ربما لأن الفشل كان قدراً محتماً، لكن الأكيد أن ثمة دولًا إسلامية تستطيع تركيا أن تشكل مصدر إلهام لها. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تربيون ميديا سيرفيسز"