مازال علماء المناخ يتجادلون حول تأثير الإحماء الحراري. ورغم وجود إجماع بين هؤلاء العلماء على أن الكوكب يزداد حرارة، فإنهم يختلفون بشأن السبب في هذه الظاهرة، والوتيرة التي تتم بها، وتأثيرها المتوقع على البيئة وخاصة على مستويات مياه البحار في مختلف أنحاء العالم. ويتعلق جانب من هذا السجال بالوتيرة التي يذوب بها الغطاء الجليدي في جرينلاند، والدائرة القطبية الشمالية. وحسب تقديرات محافظة من جانب علماء المناخ، فإن مستويات مياه البحار في مختلف أنحاء العالم سوف ترتفع بمقدار متر بنهاية القرن الحالي. أما التقديرات المتشائمة فتضع معدل الارتفاع عند رقم أكبر بكثير. وتوجد في الوقت الراهن عشرات الخرائط التفاعلية التي يمكن تنزيلها من الإنترنت والتي تظهر مناطق العالم التي ستكون الأكثر تأثراً بالمستويات المختلفة للمياه الآخذة في الارتفاع. واليوم نجد أن المتشككين كذلك لا يجدون مانعاً من الاعتراف، بأنه حتى في حالة وجود ارتفاع محدود في مستوى مياه البحر، فإن ذلك بحد ذاته سوف يشكل خطراً كارثياً على البلاد ذات الأراضي المنخفضة. لدينا مثلا حالة المالديف، وهي عبارة عن سلسلة جزر مكونة من 1200 جزيرة صغيرة، منها جزر مرجانية تقع على بعد 500 ميل إلى الجنوب من الهند. رئيس المالديف، هو زعيم ديمقراطي بعيد النظر، أخذ الموضوع بأقصى قدر من الجدية، حيث يقوم في الوقت الراهن بحملة عبر أنحاء العالم لتنبيه الجميع إلى المأزق الذي تواجهه بلاده. ففي خطاب له أمام المعهد الفنلندي للشؤون الدولية عام 2010 قال نشيد: "جزر المالديف ترتفع عن سطح البحر بمقدار متر ونصف المتر، وهو ما يعني أن أي ارتفاع في مياه البحر ولو بنسبة طفيفة سوف يشكل لنا تحديات عديدة. إن جزرنا تتعرض للتلوث من خلال مياه البحر المتدفقة، وهو ما يستدعي منا عمل الاحتياطات اللازمة لتوفير أمننا الغذائي. ونظراً لأن مستوى مياه المحيطات يرتفع، فإن نشاط الصيد، وكمية الأسماك المصطادة، ومخزوننا منها... آخذة كلها في التقلص. ولدينا أيضاً عدد من التحديات والموضوعات التي تحتاج للعلاج، وإذا ما اعتقدتم أن هذا الأمر يخص المالديف وحدها، ويخص أيسلندا في شمال الكرة الأرضية واستراليا في جنوبها، وأنكم في أمان، فإنكم ستكونون مخطئين للغاية". وعلى ضوء ذلك، من الممكن جداً أن يختفي أرخبيل المالديف خلال هذا القرن ما لم يتم إنفاق أموال طائلة من أجل بناء جدران واقية لبعض الجزر الكبرى في هذا الأرخبيل. وإعداد خطط طوارئ يتم بموجبها نقل السكان إلى مناطق أخرى عبر عدد من السنين. من حسن الحظ، أن المالديف مازالت تمثل مقصداً للسياح الأثرياء الذين يذهبون إليها للتمتع بهدوئها ومناظرها الطبيعية البحرية الخلابة، وهو ما يمكن الحكومة من إنشاء صندوق سيادي لاستخدام عوائد السياحة استعدادا لليوم الذي سيتعين فيه على المالديفيين الرحيل عن جزرهم، عندما تغمرها مياه البحر. لكن أين سيذهب سكان المالديف بعد ذلك؟ لا شك أن منطقة جنوب آسيا سوف تمثل وجهات طبيعية بسبب ارتباطهم بها عبر علاقات وثيقة، عرقية وثقافية ودينية، والأقرب لهم بالطبع الهند وسريلانكا. ونظراً لأن عدد سكان جزر المالديف يبلغ 300 ألف نسمة فقط، فإن مثل هذا الرحيل لن يكون بالأمر المستبعد. ومع ذلك، فإن المشكلة التي تواجه المالديف ليست سوى البداية فحسب؛ لأن مياه البحر لو ظلت ترتفع بالأمتار، فإن ذلك سوف يهدد المناطق المنخفضة في البر الرئيسي للقارة الآسيوية. فنحن نجد على سبيل المثال أن 18 مليوناً من سكان بنجلاديش يعيشون في دلتا نهر "براهمابوترا -جامونا" المنخفضة والمعرضة للخطر، وهو ما يدعو للتساؤل: أين يمكن أن يذهب هذا العدد من السكان إذا ما غمرت مياه البحر المرتفعة دلتاهم؟ الهنود الذين يعيشون في المناطق المنخفضة يمكن في حالة تعرض تلك المناطق للغمر بسبب مياه البحر المرتفعة، أن يرحلوا إلى المناطق الداخلية في البلاد، وهو ما دعاهم بالفعل إلى البدء باتخاذ إجراءات وقائية، تشمل بناء أسوار لمنع تدفق مياه البحر. ورغم أن الهند تستطيع استيعاب 300 ألف من سكان جزر المالديف فإن استيعاب 18 مليوناً هم سكان دلتا نهر "براهمابوترا -جامون" مسألة غير واردة بالطبع. فمثل هـذه الهجرة الواسعة النطاق سوف تكون من دون شك سبباً لتوترات اجتماعية في الهند، ومن شبه المؤكد أيضاً أن تكون سبباً في اندلاع العنف أيضاً. وهو ما يعني في مجمله أنه ليس هناك حل لهذه المشكلة. ولو نظرنا إلى الخريطة التفاعلية فسوف نجدها تشير إلى مناطق أخرى في العالم، يقع العديد منها في الدول الغنية، سوف تكون عرضة هي الأخرى للتأثر بظاهرة ارتفاع مياه البحر، منها على سبيل المثال ساحل فلوريدا، ومناطق وسط المحيط الأطلسي التابعة للولايات المتحدة، وهولندا، وأجزاء من جنوب شرق انجلترا، وفينيسيا. أما في قارة آسيا فإن الجزر التابعة لإندونيسيا، وسواحل الصين وفيتنام، معرضة جميعها لارتفاعات صغيرة في مياه البحر. والمشكلة التي تواجهها هذه المناطق ليس ارتفاع مستوى المياه، وأنما ارتفاعها مقرونا بالأحوال الجوية المضطربة التي يمكن أن تؤدي للمزيد من الزوابع، والأعاصير، وأمواج المد البحري العالي"تسونامي". وكنتيجة لذلك كله، فإن المزيج المكون من ارتفاع مياه البحر، وتأثير النقص في إنتاج المواد الغذائية، والدمار في البنية الأساسية... سوف يمثل تحدياً رئيسياً للمجتمع الدولي في السنوات القادمة. في الماضي كان عمال المناجم يصطحبون طيور الكناريا معهم بسبب ما تتمتع به من حساسية عالية تمكنها من التنبؤ بالسموم، وتحذيرهم من خطرها. وفي رأيي أن جزر المالديف تمثل الكناريا الرابضة في المحيط، وأن المأزق الذي تواجهه يمثل صرخة تحذير موجهة للجميع.