على مدى خمسين عاماً مرت البلدان النامية، بما فيها الدول العربية بتجارب تنموية عديدة، حقق بعضها نجاحات مميزة وتقدماً ملفتاً للنظر أدى إلى تحسين مستويات المعيشة لمواطنيه، في حين تراكم لدى البعض الآخر الإخفاق تلو الآخر، مما أدى إلى محاولاته المتكررة لترويج الشعارات لتغطية هذا الفشل التنموي. وبعد هذه الفترة الزمنية الطويلة تكشف الكثير من الحقائق التي لا يمكن دحضها، كما أن وسائل الاتصال الحديثة وشبكة المعلومات التي لا حدود لها أفرغت هذه الشعارات من محتواها، بحيث استطاعت شعوب هذه البلدان الاطلاع على تجارب بعضها بعضاً دون تزييف. والحال أن البلدان النامية التي أدى نموها السريع وحسن استثمار مواردها، كالهند والبرازيل ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى إعادة تصنيفها لتخرج من عباءة البلدان النامية إلى ما يطلق عليه البلدان البازغة أو الصاعدة، التي تعتبر الأسرع نموّاً في العالم، يتوقع لها أن تلحق في غضون العقدين القادمين بالبلدان المتقدمة، وخصوصاً أنها أقامت بنية تحتية تؤهلها لمثل هذه النقلة النوعية المتوقعة. وفي المقابل، لا زالت بلدان نامية أخرى، وبعضها فاحش الثراء تعاني من الفقر والتخلف بسبب سوء استخدام مواردها خلال الثلاثة عقود الماضية وتركيزها على التسلح غير المنتج ومحاولة دخول النادي النووي وإنفاق مليارات الدولارات في عمليات تمويل أنشطة خارجية، مما أضاع عليها عقوداً من التنمية التي كان يمكن أن تنقلها إلى مواقع متقدمة في العلاقات الاقتصادية الدولية الجديدة. والمفارقة الغريبة هنا أن بلدان المجموعة الأولى، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي، قدمت مساعدات غير مشروطة بمئات المليارات للبلدان النامية الفقيرة خلال العقود الماضية، بل ونفذت هناك مشاريع حيوية لاقتصادات تلك البلدان، كما تشير إلى ذلك تقارير منظمات الأمم المتحدة المهتمة بالتنمية، في حين مولت بلدان المجموعة الثانية عمليات وأنشطة أدت أعمالها إلى تخريب وهروب لرؤوس الأموال وتضرر مصالح فئات واسعة من المجتمع، وبالأخص في تلك البلدان التي تعتمد في اقتصادها على قطاعي السياحة والخدمات. والآن وبعد أن انجلى كثير من الحقائق بفضل وسائل الاتصال المتطورة التي لا يمكن إخفاؤها تحاول بلدان المجموعة الثانية وبصورة مستميتة تصدير فشلها لبلدان المجموعة الأولى تحت شعارات بالية مشابهة لفترتي الستينيات والسبعينيات، تلك الشعارات التي لا يمكن تمريرها دون استنادها إما على أسس شوفينية أو طائفية أو دينية، في محاولة لاستغلال ولاء الناس البسطاء لهذه الاعتبارات التي فطروا عليها، والتي تشكل جزءاً من هويتهم وتكوينهم الشخصي. وحتى لا نبقى ضمن العموميات يمكن الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي الست جميعها تتمتع من بين بلدان منطقة الخليج والشرق الأوسط النفطية بأعلى معدل لدخل الفرد من الناتج القومي، كما أنها توفر مستوى راقيّاً من خدمات التعليم والصحة والكهرباء والإسكان التي وضعتها في مرتبة متقدمة في تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة، حيث تحتل دولة الإمارات وقطر والبحرين والكويت المراتب الأربعة الأولى في معظم هذه التقارير السنوية. وعلى العكس من ذلك يقبع نصف سكان بعض بلدان المنطقة الثرية والمنتجة للنفط تحت خط الفقر، وتشكل البطالة نسبة تصل إلى 30 في المئة، هذا إضافة إلى نقص إمدادات الخدمات الأساسية، مما يدعو شعوب هذه البلدان للاستفسار: أين تذهب مئات المليارات من عائدات النفط السنوية؟ إن أسلوب الإنفاق ومحاولات تصدير الإيديولوجيات الذي تسير فيه بلدان المجموعة الثانية، هو طريق مسدود ولا طائل من ورائه. أما البديل، فيكمن في العمل من أجل التعايش السلمي وتوجيه الموارد لخدمة التنمية ورفع مستويات المعيشة، إذ يمكن لمثل هذا التعاون أن يساهم في وضع الجميع في خانة البلدان الصاعدة، وخصوصاً أن بلدان المجموعة الثانية تتمتع بطاقات مادية وبشرية كبيرة لم تستغل بصورة مجدية حتى الآن.