جون ميجور، الذي كان رئيساً لوزراء بريطانيا عن حزب المحافظين ما بين عامي 1990 و1997، لم ينتقل إلى مجلس اللوردات بعد، لكنه مازال يلقي خطابات هامة تنم عن الحكمة والحصافة من حين لآخر حول أهم قضايا الساعة. وعلى سبيل المثال، فقد دعا الحكومة في مارس الماضي إلى التفكير في اتخاذ إجراءات عسكرية بشأن القذافي، وبعد ذلك بوقت قصير تم العمل بهذه النصيحة. وفي وقت سابق من شهر يونيو الجاري، كتب ميجور الكلمات التالية في صحيفة "ذا سانداي تيليجراف" حول ميزانية المساعدات الخارجية البريطانية: "إن المساعدات ليست من بريطانيا فحسب، بل إنها أيضاً من أجل بريطانيا. ذلك أننا إذا لم نستثمر في بلدان محطَّمة -مثل الصومال وأفغانستان- قبل أن تصل إلى نقطة اليأس، فإنه سينتهي بنا المطاف إلى دفع ثمن غال في حال أدى ذلك اليأس إلى الإرهاب والجريمة والهجرة الجماعية وتدمير البيئة. وأنا فخور لكون الحكومة التي أدعمها تتحلى بالشجاعة عن قناعاتها بخصوص الفقر العالمي". وعندما فاز كاميرون بزعامة حزب المحافظين، وأدلى بخطاب جميل ألقاه بشكل مرتجل في مؤتمر الحزب عام 2005، اعتُبر على نطاق واسع أن حزبه غير قابل للانتخاب إن لم يدخل تغييرات كبيرة، كما أنه كثيراً ما كان يوصف في وسائل الإعلام بأنه الحزب "الشرير" بسب انتقاداته المبالغ فيها للاتحاد الأوروبي، وتصميمه على خفض المهاجرين بشكل دراماتيكي، وتحمسه لإعادة العمل بعقوبة الإعدام والعقوبات السجنية الطويلة. وعلى هذه الخلفية، أعلن كاميرون عن تعهد صارم لبريطانيا بإنفاق 0.7 في المئة من دخلها السنوي على المساعدات بحلول عام 2013، وترجمة هذا التصميم إلى نص قانون. وكانت تلك إحدى الطرق الرامية إلى تغيير صورة حزب آخذ في التطور؛ وقد ساعدته في ذلك حقيقة أن مايكل هاورد، عندما كان زعيماً للمحافظين وإحدى شخصيات يمين المحافظين، كانت لديه الفكرة ذاتها قبل ست سنوات؛ حيث كان يُعتقد أن من شأن برنامج مساعدات كبير أن يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن بريطانيا، وهي قوة نووية لديها قوات دفاع قوية بالمعايير الأوروبية، لديها قلب وعقل. وقد أنفقت بريطانيا 7.8 مليار جنيه استرليني على المساعدات الخارجية في عام 2010، وهو رقم من المرتقب أن يرتفع إلى 11.5 مليار جنيه استرليني في عام 2014. وفي الوقت الراهن، يفوق مستوى المساعدات التي تقدمها بريطانيا مساعدات أي بلد آخر في مجموعة الثمانية الكبار؛ حيث تنفق بريطانيا 0.56 في المئة من دخلها السنوي على المساعدات، مقارنة مع 0.50 في المئة من قبل فرنسا، و0.38 في المئة من قبل ألمانيا. هذا في حين لا تنفق الولايات المتحدة سوى 0.21 في المئة. والواقع أن سياسة المساعدات الخارجية مثيرة للاهتمام. فقبل سنوات، كنت عضواً في لجنة المساعدات الخارجية التابعة لمجلس العموم. وكان من الواضح أنه إذا كانت المساعدات بشكل عام لا تحظى بالشعبية - على أساس أنها طريقة لجعل الفقراء في البلدان الغنية يدفعون المال للأغنياء في البلدان الفقيرة، كما يقول المنتقدون- فإن المساعدات تمثل موضوعاً هاماً بالنسبة لأقلية من الناس، وفي مقدمة هؤلاء كنيسة انجلترا، والكنيسة الكاثوليكية، والمنظمات الدينية الرئيسية. وعلاوة على ذلك، فقد كانت ثمة اعتبارات أخلاقية قوية لقيام أحد أغنى البلدان بمساعدة البلدان النامية، لاسيما أن العديد من هذه البلدان الفقيرة والفقراء الذين يعيشون فيها، هم أعضاء مثلنا في منظمة الكومنويلث. واليوم، وعلى غرار الأمس، يدعو حزب العمال والديمقراطيون الأحرار ويسار حزب المحافظين إلى برامج مساعدات، على الرغم من أن العديد من مؤيديهم لديهم تحفظات قوية على ذلك. وبالمقابل، يقول المعترضون، على يمين حزب المحافظين، إن أموال دافعي الضرائب ينبغي أن تنفق في الداخل وإن مستويات الضريبة جد مرتفعة أصلا، خصوصا أن الـ7.8 مليار دولار التي تنفق على المساعدات الخارجية من شأنها على ما يبدو أن تغطي تكاليف تشغيل 30 مستشفى عاماً أو ألفي مدرسة ثانوية. وأغلب الظن أن كاميرون سيكون سعيداً بأن يحظى بدعم السير جون مايجر حول هذا الموضوع الحساس، وذلك لأن السير جون شخصية تحظى بالتقدير والاحترام، وزيادة المساعدات تتسبب في مشاكل حقيقية داخل الحزب البرلماني المحافظ. غير أنه بالمقابل لابد من الإشارة إلى أن وزارة التنمية الدولية، التي يبلغ عدد موظفيها 2500 موظف، تمتلك ميزانية ينبغي أن تنفقها في مجال تخصصها حصرياً في وقت تواجه فيه وزارات أخرى خفضاً حاداً في ميزانياتها وبرامجها. وعلى سبيل المثال، فإن وزارة الدفاع تمتلك حاملة طائرات منذ عشر سنوات، لكن بدون أي طائرات لتقلع منها. وإضافة إلى ذلك، يتم حالياً خفض عدد أفراد الشرطة من قبل حكومة ترغب في أن يُنظر إليها على أنها حازمة بخصوص فرض القانون والنظام. بل إنه حتى الخدمات الصحية بدأت تواجه تخفيضات حادة في ميزانياتها. وهنا يجوز التساؤل: هل هذا التباين حكيم؟ الواقع أنني كمؤيد للمساعدات الخارجية، سأقول إنه ليس كذلك في الوقت الراهن. ذلك أنه إذا كانت إحدى الوزارات محمية، فإن بقية الوزارات تضطر بالطبع لإيجاد مزيد من المال من أجل التوفير. لقد قال السير جون ميجور: "إننا ينبغي أن نكون فخورين كأمة لأن إنسانيتنا وكرمنا يصلان إلى كل ركن من العالم، ولأننا جميعاً نزداد غنى نتيجة ذلك العمل". كلام جميل بدون شك، غير أن تمويل المدارس في باكستان، مثلا، بينما تعاني المدارس في دائرتك الانتخابية من نقص التمويل لن يُكسبك أصوات الناخبين بكل تأكيد!